فلما جنهما الليل أقبل الشيخ إليهما بقرصين من شعير ، وكوز من ماء القراح ،
فقال له الغلام الصغير : يا شيخ أتعرف محمدا ؟ قال : فكيف لا أعرف محمدا وهو نبيي ؟ !
قال : أفتعرف جعفر بن أبي طالب ؟ قال : وكيف لا أعرف جعفرا وقد أنبت الله له
جناحين يطير بهما مع الملائكة كيف يشاء ؟ ! قال : أفتعرف علي بن أبي طالب عليه السلام ؟
قال : وكيف لا أعرف عليا وهو ابن عم نبيي وأخو نبيي ؟ ! قال له : يا شيخ فنحن من
عترة نبيك محمد صلى الله عليه وآله ونحن من ولد مسلم بن عقيل بن أبي طالب بيدك أسارى
نسألك من طيب الطعام فلا تطعمنا ، ومن بارد الشراب فلا تسقينا ، وقد ضيقت علينا
سجننا . فانكب الشيخ على أقدامهما يقبلهما ، ويقول : نفسي لنفسكما الفداء ، ووجهي
لوجهكما الوقاء ، يا عترة نبي الله المصطفى ، هذا باب السجن بين ( أ ) يديكما مفتوح ،
فخذا أي طريق شئتما .
فلما جنهما الليل أتاهما بقرصين من شعير ، وكوز من ماء القراح ، ووقفهما على
الطريق ، وقال لهما : سيرا يا حبيبي الليل ، واكمنا النهار حتى يجعل الله عز وجل لكما
من أمركما فرجا ومخرجا ، ففعل الغلامان ذلك .
فلما جنهما الليل انتهيا إلى عجوز على باب ، فقالا لها : يا عجوز إنا غلامان
صغيران غريبان حدثان غير خبيرين بالطريق ، وهذا الليل قد جننا ، أضيفينا سواد
ليلتنا هذه فإذا أصبحنا لزمنا الطريق ، فقالت لهما : فمن أنتما يا حبيبي فقد شممت
الروائح كلها فما شممت رائحة هي أطيب من رائحتكما ؟ فقالا لها : يا عجوز نحن من
عترة نبيك محمد صلى الله عليه وآله هربنا من سجن عبيد الله بن زياد من القتل ، قالت العجوز : يا
حبيبي إن لي ختنا فاسقا قد شهد الوقعة مع عبيد الله بن زياد أتخوف أن يصيبكما ههنا
فيقتلكما ، قالا : ( أضيفينا ) سواد ليلتنا هذه فإذا أصبحنا لزمنا الطريق ، فقالت :
سآتيكما بطعام ، ثم أتتهما بطعام فأكلا وشربا .
فلما ولجا الفراش قال الصغير للكبير : يا أخي إنا نرجو أن نكون قد أمنا ليلتنا
هذه ، فتعال حتى أعانقك وتعانقني وأشم رائحتك وتشم رائحتي قبل أن يفرق الموت
بيننا ، ففعل الغلامان ذلك واعتنقا وناما ، فلما كان في بعض الليل أقبل ختن العجوز
العوالم ، الإمام الحسين ( ع ) — صفحة 354
مساهمون: الشيخ عبد الله البحراني
ص٣٥٤