والتحريف بهذا المعنى قد وقع في صدر الإسلام وفي زمن الصحابة قطعاً ، ويدلّنا على ذلك إجماع المسلمين على أنّ عثمان أحرق جملة من المصاحف وأمر ولاته بحرق كلّ مصحف غير ما جمعه ، وهذا يدلّ على أنّ هذه المصاحف كانت مخالفة لما جمعه ، وإلّا لم يكن هناك سبب موجب لإحراقها ، وقد ضبط جماعة من العلماء موارد الاختلاف بين المصاحف ، منهم عبد الله بن أبي داود السجستاني ، وقد سمّى كتابه هذا بكتاب المصاحف .
على ذلك فالتحريف واقع لا محالة إمّا من عثمان أو من كتّاب تلك المصاحف ، لكنّا سنبيّن بعد هذا - إن شاء الله تعالى - أنّ ما جمعه عثمان كان هو القرآن المعروف بين المسلمين الذي تداولوه عن النبيّ صلى الله عليه وآله يداً بيد ، فالتحريف بالزيادة والنقيصة إنّما وقع في تلك المصاحف التي انقطعت بعد عهد عثمان ، وأمّا القرآن الموجود فليس فيه زيادة ولا نقيصة .
وجملة القول : إنّ من يقول بعدم تواتر تلك المصاحف - كما هو الصحيح - فالتحريف بهذا المعنى وإن كان قد وقع عنده في الصدر الأوّل إلّا أنّه انقطع في زمان عثمان ، وانحصر المصحف بما ثبت
تواتره عن النبيّ صلى الله عليه وآله .
وأمّا القائل بتواتر المصاحف بأجمعها فلابدّ له من الالتزام بوقوع التحريف بالمعنى المتنازع فيه في القرآن المنزّل وبضياع شيء منه .
صيانة القرآن من التحريف — صفحة 10
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٠