قلت : لو سُلّم عدم الاقتضاء في هذه الأمثلة ، فلا نسلّم في نسبة القابليّة والمقبوليّة ؛ لأنّ المقبول ناعت للقابل ؛ فإنّ نطفة الإنسان إنسانٌ بالقوّة ، فلو لم يكن المقبول موجوداً للقابل لم يكن القابل منعوتاً بالمقبول ، فلا تنعت النطفة بكونها إنساناً بالقوّة مثلًا . فإذن أحد طرفي النسبة - وهو المقبول - موجودٌ للآخر وهو القابل .
بعبارة أخرى : إنّ لازم تعيّن وتشخّص القابل والمقبول هو وجود نسبةٍ خارجيّةٍ عينيّة ، فلو كانت النسبة أمراً اعتباريّاً ، لمَا تعيّن - أحدهما القابل والمقبول - بل يمكن للقابل أن يكون مقبولًا ، أو اعتبار شيءٍ آخر قابلًا أو مقبولًا .
إذن هذه المقدّمة تثبت :
أوّلًا : نسبةً بين القابل والمقبول .
ثانياً : نسبةً بين المقبول الضعيف ( الإنسان بالقوّة ) والمقبول الشديد ( الإنسان بالفعل ) ؛ لأنّه إذا ثبتت النسبة بين القابل ( النطفة ) وبين المقبول ( الإنسان ) وهو المقبول بمرتبته الضعيفة لا القويّة ، يثبت كذلك نسبةٌ بين المقبول الضعيف وبين المقبول الشديد ، كما هو واضح .
إذن هناك نسبتان :
1 . بين القابل والمقبول .
2 . بين المقبول الضعيف والمقبول الشديد .
الوجه الثاني : إنّ النسبة بين القابل والمقبول تختلف بالشدّة والضعف والقرب والبعد ، فإنّ النطفة أقرب إلى الحيوان من الغذاء ، وإن كانا ( النطفة والغداء ) مشتركين في إمكان صيرورتهما حيواناً ، ومن الواضح : أنّ الشدّة والضعف والبعد والقرب صفاتٌ وجوديّةٌ لا يتّصف بها إلّا موجود ، وعليه لابدّ أن تكون هذه النسبة بين القابل والمقبول موجودةً في الخارج ؛ لأنّ ثبوت
شرح نهاية الحكمة (القوة والفعل والقدم والحدوث) — صفحة 72
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٧٢