على الطالب أن يقرأ مادّة القياس أوّلًا ؛ إذ لعلّ العمر لا يطول به حتّى يقرأ بحث القياس كاملًا ، وعليه أن يقرأ الصناعات وبالخصوص صناعة البرهان وصناعة المغالطة . أمّا صناعة البرهان فللكشف عن الحقيقة ، وأمّا صناعة المغالطة فللتخلصّ عمّا يغلّطه ؛ من قبيل ما إذا تعلّمت فوائد الطعام الصحي حتّى تستفيد منه ، وتتعلّم مضارّ السموم حتّى تتجنبها ، لا لتستفيد منها .
إذن احتياجك إلى صناعة البرهان أوّلًا وبالذات ، واحتياجك إلى صناعة المغالطة ثانياً وبالعرض حتّى تتجنب . ومن هنا نجد الحكيم السبزواري ( رحمه الله ) في منطق المنظومة لم يتعرّض إلّا لصناعة البرهان وصناعة المغالطة . أمّا الصناعات الأخرى فلم يكن بحاجة إليها . وكذلك صنع الشيخ الرئيس ( رحمه الله ) في الجزء الأوّل من الإشارات .
أمّا من كان له علاقة وارتباط بالناس ويريد أن يكون مسؤولًا وقائداً سياسياً ويتصدّى لقيادة مجتمع من المجتمعات الإنسانية ، فعليه أن يتعلّم الخطابة والجدل والشعر ، لأنّه لا يمكنه إقناع الجمهور إلّا بهذه الطرق . وإلّا فمن غير المعقول أن تكون وظيفته كذلك ويقنع الناس ببرهان الصديقين مثلًا ، لأنّهم لا يعرفون مقدّماته ولا نتائجه . ومن هنا شرع المصنّف في بيان فائدة الصناعات الخمس فقال :
[ أمّا منافع هذه الصناعات الخمس والحاجة إليها ، فإنّ صناعتي البرهان والمغالطة تختصّ فائدتهما على الأكثر بمن يتعاطى العلوم النظرية ومعرفة الحقائق الكونية ، ولكن منفعة صناعة البرهان له ] الضمير عائد على الاسم الموصول ، أي : لمن يتعاطى العلوم النظرية ومعرفة الحقائق الكونية [ فبالذات ] أي يحتاج إليها أوّلًا وبالذات للكشف عن الواقع [ كمعرفة الأغذية في نفعها لصحّة الإنسان ، ومنفعة صناعة المغالطة له فبالعرض كمعرفة السموم في نفعها للاحتراز عنها .
شرح كتاب المنطق — صفحة 199
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٩٩