عند القدماء الذين أدرجوا المباحث العقليّة ضمن مباحث الألفاظ ، ولا عند من سار على المنهج الجديد في تصنيف مسائل علم الأُصول . نعم ، ذُكرت هذه المسألة ضمن مباحث متعدّدة كمبادئ لإثبات جملةٍ من المسائل الأُصوليّة . ويقع البحث فيه ضمن المباحث التالية :
المبحث الأوّل : المراد من التكليف
التكليف لغةً : بمعنى ما فيه المشقّة والكلفة والتعب .
وفي المفردات : الكلَف : الإيلاع بالشيء ، يقال : كلف فلان بكذا أو أكلفته به جعلته كَلِفاً . الكلف في الوجه سمّي لتصوّر كلفةٍ به ، وتكلّف الشيء ما يفعله الإنسان بإظهار كلف مع مشقّة تناله في تعاطيه ، وصارت الكلفة في التعارف اسماً للمشقّة ، والتكلّف : اسم لما يُفعل بمشقّةٍ أو تصنّع أو تشبّع ، ولذلك صار التكلّف على ضربين : محمود : وهو ما يتحرّاه الإنسان ليتوصّل به إلى أن يصير الفعل الذي يتعاطاه سهلًا عليه ، ويصير كلفاً به ومحبّاً له ، وبهذا النظر يستعمل التكليف في العبادات . والثاني : مذموم : وهو ما يتحرّاه الإنسان مراءاةً أي رياءً وإيّاه عنى بقوله تعالى : قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ، وقول النبيّ ( ص ) : « وأنا وأتقياء أُمّتي براء من التكلّف » ، وقوله لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ، أي ما يعدّونه مشقّة فهو سعة في المآل نحو قوله : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ ، وقوله : وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ « 1 » .
ومن الكلفة المذمومة ما جاء في الخبر الشريف : « شرّ الإخوان من تكلّف له » « 2 » .
هذا كلّه بحسب المدلول اللغوي لعنوان التكليف .
هامش
( 1 ) مفردات الراغب الأصفهاني : ص 456 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 71 ص 165 .