جميع آيات الكتاب المحكمة والمتشابهة التي فيها إخبار عن الغيب الذي أُمرنا أن نؤمن به لا يعلم حقيقة ذلك الغيب ومتى يقع إلّا الله . وقد يستدلّ لهذا أنّ الله جعل التأويل للكتاب كلّه مع إخباره أنّه مفصّلٌ بقوله : وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ . . . « 1 » ، فجعل التأويل الجائي للكتاب المفصّل . وقد بيّنا أنّ ذلك التأويل لا يعلمه وقتاً وقدراً ونوعاً وحقيقةً إلّا الله ، وإنّما نعلم نحن بعض صفاته بمبلغ علمنا لعدم نظيره عندنا . وكذلك قوله : بَلْ كَذَّبُوا بما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ « 2 » والكناية عائدة على القرآن أو على ما لم يحيطوا بعلمه وهو يعود إلى القرآن .
الفرق بين التفسير والتأويل
تبيّن أنّه يمكن أن يحيط أهل العلم والإيمان بعلمه ولمّا يأتهم ؛ لما أشرنا إليه من قوله تعالى : بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ومعنى ذلك أنّ الإحاطة بعلم القرآن ليست إتيان تأويله ، فإنّ الإحاطة بعلمه معرفة معاني الكلام على التمام ، وإتيان التأويل نفس وقوع المخبر به ، وفرق بين معرفة الخبر وبين المخبر به ، فمعرفة الخبر تفسير القرآن ومعرفة المخبر به هي معرفة تأويله .
ونكتة ذلك أنّ الخبر لمعناه صورة علمية وجودها في نفس العالم
هامش
( 1 ) الأعراف : 52 ، 53 .
( 2 ) يونس : 39 .