هذا مجاز بالنسبة إليهم .
وأمّا الطائفة الثانية ، الذين هم المحبّون فقد عرفتهم أيضاً وهم الذين يسلكون سبيل الحقّ على قدم السلوك والتقوى والرياضة ، ويكون سلوكهم سابقاً على وصولهم ؛ لقوله تعالى فيهم : إنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ « 1 » ، ولقوله : إنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّات وَنَهَر * فِي مَقْعَدِ صِدْق عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِر « 2 » ، ولقوله في حديثه القدسيّ : من تقرّب إليّ شبراً تقرّبت إليه ذراعاً ، ومَن تقرّب إليّ ذراعاً تقرّبت إليه باعاً ، ومَن تقرّب إليَّ باعاً مشيت إليه هرولةً « 3 » .
والحاصل أنّ عبداً من عبيده مثلًا إذا قام بالتقوى على ما ينبغي المشار إليه في قوله : اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إلّا وَأنْتُمْ مُسْلِمُونَ « 4 » وأدّى حقّها على ما هو عليها في نفس الأمر ، وزال عن قلبه بعد ذلك حجاب الكثرة والتفرقة ، واضمحلّ عن مرآة نفسه دمن الظلمة والغفلة ، ووصل إلى حدّ الصقالة والصفاء التامّ الكامل ، أفاض عليه تعالى نوراً من أنواره ، انفسح به عين بصيرته ، وانكشف له عالم الملكوت والجبروت ، ونزل عليه من سماء جوده وفضله الحكمة والمعارف والعلوم والحقائق ، كما قال النبيّ صلّى الله عليه وآله :
من أخلص لله تعالى
هامش
( 1 ) النحل : 128 .
( 2 ) القمر : 54 - 55 .
( 3 ) مسند الإمام أحمد بن حنبل : ج 5 ص 153 ، وبهامشه منتخب كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال ، دار الفكر .
( 4 ) آل عمران : 102 .