وكلمة كلمة وآية آية ، من حروف الآفاق والأنفس وكلماتهما وآياتهما ، مطابقاً لما في القرآن إجمالًا وتفصيلًا . وكشف لك سرّ قوله : قُلْ فَأْتُوا بِكِتاب مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أهْدى مِنْهُما أتَّبِعْهُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ « 1 » ؛ لأنّ هذا إشارة إلى الكتابين المذكورين ، أعني الكتاب الآفاقي والأنفسي المُشار إليهما مراراً ، وظهر لك معنى قوله : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْافاقِ وَفِي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّهُ الْحَقُّ أوَ لَمْ يَكْفِ برَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ « 2 » .
وتقرّر عندك بلا ريب ولا شبهة أنّ بدون هذين الكتابين ومشاهدة آياتهما وكلماتهما ، لا يمكن الوصول إلى جناب صمديّته وحضرة أحديّته بوجه من الوجوه ، وصرت بذلك من الذين أوّلوا القرآن صحيحاً ، وقرأوا الكتابين صريحاً ، ودخلت في جماعة قال الله تعالى فيهم : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ « 3 » وشاركت معه جلّ ذكره ، ومع الملائكة وأُولي العلم من عباده في هذه المشاهدة الكلّية والرؤية الصحيحة الحقيقيّة المسمّاة بالتوحيد الذاتي والشهود العيني ؛ لقوله : شَهِدَ اللهُ أنَّهُ لا إلهَ إلّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إلهَ إلّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ « 4 » .
وباتّفاق المحقّقين من أهل الله وأهل التوحيد ، ليس فوق هذا المشهد مشهد ، ولا فوق هذه المرتبة مرتبة » « 5 » .
هامش
( 1 ) القصص : 49 .
( 2 ) فصّلت : 53 .
( 3 ) آل عمران : 7 .
( 4 ) آل عمران : 18 .
( 5 ) تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم : ج 1 ص 248 .