على الورقة ، فهذا لا يعنى أنّه فقد علمه بها ، بل لا تزال الفكرة محتفظاً بوجودها في الذهن ، نعم تختلف الفكرة في الذهن عما هي عليه في الورق في المرتبة الوجودية .
وهذا المعنى واضح في صعود الإنسان وتسلّقه في سلّم الكمال الإلهى ، كما في قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ « 1 » . فإذا صعد الإنسان مرتبة وجودية أعلى ، فلا يعنى أنّه فقد مرتبته السابقة .
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً « 2 » .
النتيجة : إنّ نزول القرآن الكريم إنّما كان بنحو التجلّى على وفق القاعدة التي تحدّثت عنها الآية المباركة وَإِنْ مِنْ شَىْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ « 3 » . فالقرآن الكريم نزل من تلك المرتبة الغيبية التي هي أصل كلّ الأشياء ، وعلى هذا فالقرآن محفوظ في مراتب عليا ، عبّر عنه تارة باللوح المحفوظ كما في قوله تعالى : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِى لَوْحٍ مَحْفُوظٍ « 4 » وتارة أخرى
بالكتاب المكنون كما في قوله تعالى : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِى كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ « 5 » أو بالكتاب الحفيظ كما في قوله تعالى : قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ « 6 » .
هامش
( 1 ) الانشقاق : 6 .
( 2 ) ( 4 ) الأعراف : 143 .
( 3 ) الحجر : 21 .
( 4 ) البروج : 22 21 .
( 5 ) الواقعة : 79 77 .
( 6 ) ق : 4 .