وأنّ معرفة الله تعالى مستحيلة وغير ممكنة اقتضت حكمة الله تعالى أن يوجِد للإنسان في عالم الإمكان نماذج من مخلوقاته تكون مظاهر لأسمائه المباركة ، فيوجِدُ الله تعالى نماذج لكي تكون مظهرا وتجلّياً لقدرته وعلمه ونحوها من أسمائه وصفاته المباركة ؛ لأجل أن يتمكّن الإنسان من الارتباط بالله تعالى من خلالها هذه النماذج المخلوقة ، وقد اصطلح عليها القرآن الكريم ب « الآيات » .
فأينما وجدت صفة من صفات الكمال سواء على مستوى الموجودات المجرّدة أم على مستوى الموجودات المادّية ، فإنّ خالقها ومبدعها يكون واجداً لتلك الكمالات بنحو أعلى وأشرف ، لذا قال تعالى : وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى « 1 » ، إذ لو لم يكن معطى هذه الكمالات بنحو أعلى وأشرف لا يكون معطياً ، لأنّ فاقد الشئ لا يعطيه . وكذلك لو فرض معطى الكمالات مساوياً لكمالات المعطى ، فلا يعدّ المعطى معطياً ، إذ لا مرجّح لكونه هو المعطى دون الآخر المساوى له ، لأنّه ترجيح بلا مرجّح .
ومن هنا يتّضح أنّ طريق معرفة الله تعالى والارتباط به تنحصر بالآيات والعلامات ، وبتعبير القرآن : بالتجليات في مخلوقاته .
لأجل بيان مسألة التجلّى والظهور يمكن الاستعانة بمثال المرآة ، فإنّ الصورة التي تظهر في المرآة هي آية وعلامة دالّة على صاحبها ، وليس الصورة التي في المرآة هي عين الوجود الخارجي لصاحب الصورة .
وهذه الحقيقة قرّرها الإمام الرضا عليه السلام « 2 » في حواره مع عمران
هامش
( 1 ) الروم : 27 .
( 2 ) هذا الحوار كان في مجلس المأمون العباسي الذي جمع رموز الفكر من مختلف النحل من / / النصارى واليهود والصابئة والزرداشتية وغيرهم من الشخصيات العلمية من الروم ، يبتغى من وراء ذلك النيل من شخصية الإمام الرضا عليه السلام عند المسلمين ، ظناً من المأمون بعجز الإمام عليه السلام ما يؤدّى إلى إضعاف حجّته وهيبته ، إلا أنّه عليه السلام أجاب عن جميع أسئلة الحاضرين على الرغم مما استخدموه من جدل وصناعة إعلامية .