تمهيد
منذ الوهلة الأولى التي أصغيت فيها السمع لما يقوله العلّامة الحيدري في بواكير حياته العلمية ، ألفيت نفسي إزاء عالم إسلامي مفوّه يخاطب الجمهور بلغة القرآن ، ويفكّر بطريقةٍ توليديةٍ تخرق حجُبَ الممنوع وتدكّ عروش الممتنع . أيقنت آنذاك أنّني أمام منهجية جديدة في فهم الدين ترتكز بمجملها على المعرفة القرآنية وتجعلها المنطلق لاستكناه النصوص الروائية . لقد أدركت حينها مدلولية الجدّة والإرادة والمنهجية المستحدثة والبرهان المقنع .
يُعدّ العلّامة الحيدري نقطة الالتقاء العلمي بين مدرسة النجف وقم المقدّستين . فهو وريث المنهج الصدري والدرس الخوئي وسليل المبحث الجوادي وثمرة الوحيد الخراساني .
يمكننا التمييز بجلاءٍ بين منهجية حوزة النجف وقم المقدّستين ، إلّا أنّه من الصعوبة بمكانٍ تفكيكُ هذه المنهجية المتمظهرة في المنهجية الحيدرية .
يمكنني أن أدّعي بأنّ العلّامة الحيدري هو مدرسة بحدّ ذاتها ، استخلصت منابع الإنجاز النجفي ، واستلهمت مكامن النبوغ القمّي ، وصيرّتها منهجيةً توليديةً جديدةً لم يسبق لها مثيلٌ في قرع باب المعارف الدينية .
إنّ للعلّامة الحيدري سمة بارزة في معالجته للمعارف الدينية تختلف بمجملها عن الطريقة الكلاسيكية وهذه السمة هي التي أسّست لمنهجٍ جديد في استنطاق الفكر الإمامي لمواكبة الوقت الراهن .
ينبغي الإلماع إلى أنّني سوف اقتصر - في معالجة منابع التجديد الفكري عند العلّامة الحيدري في كلّ مبحثٍ - على بعض اللفتات ، وأترك المبحث المفصّل للكتاب الذي سيصدر إن شاء الله تعالى في هذا المجال .