وقع الاستقراء فيه ، بينما تتمتّع القضية الأوّلية القبلية بصدق مطلق لا يختصّ بهذا العالم بل يمتدّ إلى أيّ عالم يمكن افتراضُه .
فالقضية القائلة « كلّ نار حارّة » قضية استقرائية لأنها رغم وضوح صدقها على حقائق هذا العالم الخارجي المعاش ليس من الضروريّ أن تكون صادقة على أيّ عالم آخر مفترض ، بل بالإمكان أن نفترض عالماً توجد فيه نيران غير حارّة ولا يوجد في نفوسنا رفض لهذا الافتراض . وأما القضية « القائلة إن النقيضين لا يجتمعان » أي أن النفي والإثبات لا يصدقان معاً ، فهي قضية تصدق على أيّ عالم نفترضه وليس بإمكاننا أن نحتمل
وجود عالم يتعايش فيه النفي والإثبات ، وهذا يعني أنها قضية منفصلة عن الاستقراء ، لأنّ الاستقراء لا يمكن أن يعطي هذا التعميم في الصدق وإنما يبرهن على الصدق في إطار العالم الذي يمارس الاستقراء فيه .
فهذه ثلاث علامات فارقة يمكن على أساسها أن نميّز بين القضايا الأوّلية القبلية والقضايا الاستقرائية ، وأن نبرهن على أن عدداً من القضايا يعتبر أوّلياً قبليّاً إذا تأكّدنا من توفّر خصائص القضايا القبلية فيه ، وهي باختصار :
* عدم ازدياد الوضوح تبعاً لازدياد الأمثلة والشواهد .
* عدم استعداد الإنسان لتقبّل احتمال أيّ استثناء للقضية مهما افترضنا وجود شواهد للاستثناء .
* الصدق المطلق للقضية الممتدّ إلى غير العالم الخارجي من العوالم الأخرى المفترضة .
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة — صفحة 152
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٥٢