الأجزاء هي تأويل فعله أو تركه ، من غير أن تكون عين فعله أو تركه ، لكنّها محكيّة مضمّنة محفوظة بالفعل
أو الترك ، ولو فرض تبدّل المحيط الاجتماعي لتبدّل ما أتى به من الفعل أو الترك .
فالأمر الذي له التأويل سواء كان حكماً أو قصّةً أو حادثة يتغيّر بتغيّر التأويل لا محالة ، ولذلك ترى أنّه تعالى في قوله : ( فَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ) لما ذكر اتّباع أهل الزيغ ما ليس بمراد من المتشابه ابتغاءً للفتنة ، ذكر أنّهم بذلك يبتغون تأويله الذي ليس بتأويل له ، وليس إلّا لأنّ التأويل الذي يأخذون به لو كان هو التأويل الحقيقي لكان اتّباعهم للمتشابه اتّباعاً حقّاً غير مذموم ، وتبدّل الأمر الذي يدلّ عليه المحكم وهو المراد من المتشابه ، إلى المعنى غير المراد الذي فهموه من المتشابه واتّبعوه .
على هذا يتّضح المراد من تأويل القرآن ، فهو بمعنى أنّ هناك حقائق خارجيّة تستند إليها آيات القرآن في معارفها وشرائعها وسائر ما بيّنتها ، بحيث لو فرض تغيّر شئ من تلك الحقائق انقلب ما في الآيات من المضامين .
وإذا أجدت التدبّر وجدت أنّ هذا ينطبق تمام الانطباق على قوله تعالى : ( وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِى أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ
حَكِيمٌ ) ( الزخرف : 4 2 ) فإنّه يدلّ على أنّ القرآن النازل كان عند الله أمراً أعلى وأحكم من أن تناله العقول أو يعرضه التقطّع
والتفصّل ، لكنّه تعالى عنايةً بعباده جعله كتاباً مقروّاً وألبسه لباس العربيّة لعلّهم يعقلون ما لا سبيل لهم إلى تعقّله ومعرفته ما دام في أُمّ الكتاب ، وأمّ الكتاب هذا هو المدلول عليه بقوله : ( يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) الرعد ، 39 ، وبقوله : ( بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِى لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ) ( البروج : 22 21 ) .
اللباب في تفسير الكتاب — صفحة 99
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٩٩