اختلاف المنهج بين الإشراق والعرفان
وعلى هذا الأساس يتّضح بأنّ المنهج المتّبع عند المدرسة الإشراقية ليس هو المنهج نفسه المتّبع عند الاتّجاه العرفاني - كما قد يُتوهّم - بل إنّ هناك نقطة اشتراك بينهما ونقطتي تمايز ، أمّا وجه الاشتراك فهو اعتماد كلا الاتّجاهين على صقل القلب وتصفيته وتهذيب النفس والمجاهدة العملية ، وأمّا وجه الامتياز بينهما فيتلخّص في أمرين :
الأوّل : أنّ المنهج العرفاني يرفض الاستدلال العقلاني رفضاً قاطعاً في الكشف عن حقائق الوجود ، بل يرى أنّ الطريق العقلي لا جدوى منه ولا طائل تحته - كما تقدّم من خلال نقل بعض كلمات القوم - وهذا بخلافه في الاتّجاه الإشراقي فإنّه يقبل الاستدلال العقلي المبتني على مقدّمات برهانية يقينية ، ولكن لا بمفرده بل بالاستعانة بالكشف والمشاهدة أيضاً . فهو وإن أقرّ القواعد العقلية في عملية اكتشاف الحقيقة ، إلّا أنّه يرفض كفاية ذلك وحده في هذا المجال ، وإنّما يعدّ الاستدلال أحد أسباب كشف الحقيقة ، ومن هنا تعدّ الفلسفة الإشراقية فلسفة استدلالية سلوكية تريد الاتّصال بالحقيقة مباشرة ، لا من خلال المفاهيم والصور الذهنية فقط .
الثاني : إنّ الهدف الذي يبتغيه العارف هو مشاهدة الحقائق على ما هي عليه ، ولا يرى الفهم والإدراك العلمي الحصولي كمالًا للإنسان . وهذا بخلاف الإشراقي ، كأيّ حكيم وفيلسوف آخر ، الذي يريد إدراك