والأنصار وغيرهم فنيطت دونها ملاءة ( 1 ) ، فجلست ، ثم أنت أنه أجهش القوم ( 2 ) لها
بالبكاء . فارتج المجلس ( 3 ) ثم أمهلت هنية ( 4 ) حتى إذا سكن نشيج القوم ( 5 ) ، وهدأت
فورتهم ( 6 ) ، افتتحت الكلام بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله ، فعاد القوم
في بكائهم ، فلما أمسكوا عادت في كلامها ، فقالت ( عليها السلام ) :
الحمد لله على ما أنعم ، وله الشكر على ما ألهم ، والثناء بما قدم ، من عموم نعم
ابتدأها ( 7 ) ، وسبوغ آلاء أسداها ( 8 ) ، وتمام منن والاها ( 9 ) ، جم عن الإحصاء
عددها ( 10 ) ، ونأى عن الجزاء أمدها ( 11 ) ، وتفاوت عن الإدراك أبدها ( 12 ) ، وندبهم
هامش
( 1 ) الملاءة ، بالضم والمد : الريطة والأزار . ونيطت بمعنى علقت ، أي ضربوا بينها ( عليها السلام ) وبين القوم
سترا وحجابا . والريطة ، بالفتح : الملاءة إذا كانت قطعة واحدة ولم تكن لفقين ، أو هي كل ثوب لين
رقيق . والقبطية ، بالكسر : ثياب بيض رقاق من كتان تتخذ بمصر ، وقد يضم لأنهم يغيرون في
النسبة .
( 2 ) الجهش أن يفزع الإنسان إلى غيره وهو مع ذلك يريد البكاء كالصبي يفزع إلى أمه وقد
يتهيأ للبكاء ، يقال : جهش إليه - كمنع - وأجهش .
( 3 ) الارتجاج : الاضطراب .
( 4 ) أي صبرت زمانا قليلا .
( 5 ) النشيج : صوت معه توجع وبكاء كما يردد الصبي بكاءه في صدره .
( 6 ) هدأت - كمنعت - أي سكنت . وفورة الشئ : شدته ، وفار القدر أي جاشت .
( 7 ) أي بنعم أعطاها العباد قبل أن يستحقوها . ويحتمل أن يكون المراد بالقديم الإيجاد والفعل
من غير ملاحظة معنى الابتداء فيكون تأسيسا .
( 8 ) السبوغ : الكمال . والآلاء : النعماء ، جمع إلى ، بالفتح والقصر وقد يكسر الهمزة . وأسدى
وأولى وأعطى بمعنى واحد .
( 9 ) والاها ، أي تابعها بإعطاء نعمة بعد أخرى بلا فصل .
( 10 ) جم الشئ أي كثر . والجم : الكثير ، والتعدية بعن لتضمين معنى التعدي والتجاوز .
( 11 ) الأمد بالتحريك : الغاية " و " المنتهي ، أي بعد عن الجزاء بالشكر غايتها . فالمراد بالأمد إما
الأمد المفروض إذ لا أمد لها على الحقيقة ، أو الأمد الحقيقي لكل حد من حدودها المفروضة . ويحتمل
أن يكون المراد بأمدها ابتداؤها ، وقد مر في كثير من الخطب بهذا المعنى . وقال في النهاية : " في
حديث الحجاج قال للحسن : ما أمدك ؟ قال : سنتان من خلافة عمر . أراد أنه ولد لسنتين من
خلافته . وللإنسان أمدان : مولده وموته " انتهى . وإذا حمل عليه يكون أبلغ . ويحتمل على بعد أن
يقرأ بكسر الميم ، قال الفيروزآبادي : " الآمد : المملو من خير وشر ، والسفينة المشحونة " .
( 12 ) التفاوت : البعد . والأبد : الدهر ، والدايم ، والقديم الأزلي . وبعده عن الإدراك لعدم الانتهاء .