عيسى الذي خاطبه الله بقوله : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِى فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِى « 1 » ، وقوله سبحانه على لسان عيسى : أَنِّى أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ « 2 » .
هذه الثنوية في الخلق التي ذهبت إليها المفوّضة ، ربما كانت هي السبب وراء إطلاق وصف المجوس عليهم في روايات عديدة ، مثل قول النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله : «
القدرية مجوس هذه ال
أ
مّة
» « 3 » ، وفى حديث آخر عنه
صلّى الله عليه وآله : «
لكلّ أمّة مجوس ، ومجوس هذه الأمّة الذين يقولون لا قدر ، ويزعمون أنّ المشيّة والقدرة إليهم ولهم
» « 4 » . إذ المعروف أنّ المجوس تذهب إلى وجود إلهين أحدهما خالق الخير والآخر خالق الشرّ ، والمفوّضة انحدرت إلى هذه الهوّة السحيقة ذاتها ، حينما أشركت مع الله سواه ، وزعمت تعدّد الخالقين ، بحيث يكون للإنسان خالق ، وللفعل الإنسانى خالق آخر « 5 » .
رابعاً : هناك عشرات الآيات القرآنية التي نسبت أفعال الإنسان إلى الله سبحانه ، ولو كانت هذه الأفعال مختصّة بالإنسان على نحو الاستقلال والتفويض الاعتزالى فلا معنى لأن تسند إلى الله سبحانه كما في قوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَانَا لِهذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْ لَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ « 6 » ، وقوله : إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِى يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ « 7 » ، وقوله : وَمَا
هامش
( 1 ) المائدة : 110 .
( 2 ) آل عمران : 49 .
( 3 ) بحار الأنوار ، مصدر سابق ، ج 5 ، ص 6 ، ح 4 .
( 4 ) المصدر السابق ، ص 197 ، ح 14 .
( 5 ) ينظر بشأن هذه النقطة خاصّة : محاضرات في أصول الفقه ، ج 2 ، ص 77 ؛ الميزان في تفسير القرآن ، ج 1 ، ص 100 ؛ هداية الأمّة إلى معارف الأئمّة ، مصادر سابقة ، ص 631 .
( 6 ) الأعراف : 43 .
( 7 ) آل عمران : 160 .