لقد أثبتت البراهين العقلية والفلسفية أنّ لفعل الله مراتب متعدّدة ، وهى النتيجة ذاتها التي قرّرها النقل قرآناً وسنّة ، ومن ثمّ فإنّ للعلم الإلهى مراتب متعدّدة تبعاً لتعدّد مراتب الفعل .
من بين أبرز المراتب التي تحدّث عنها القرآن الكريم في علم الله الفعلي : مرتبة الكتاب المبين ، ومرتبة لوح المحو والإثبات ، ومرتبة الكرسي ومرتبة العرش . كانت هذه هي خلاصة عامّة لما مرّ علينا في مبحث العلم الفعلي خلال المجلّد الأوّل من الكتاب « 1 » .
لم يتوفّر مبحث العلم الفعلي في المجلّد الأوّل ، على تغطية العرش والكرسي برغم أنّهما مرتبتان من علم الله الفعلي . والسبب أنّ هاتين المرتبتين لهما ارتباط وثيق بمسألة الربوبية والتدبير الإلهى لعالم الإمكان ، وبذا كان من الطبيعي أن يتأخّر البحث فيهما إلى التوحيد الأفعالى الذي يمثِّل مادّة هذا الجزء من الكتاب بعد أن غطّى الجزء الأوّل مبحثى التوحيد الذاتي والصفاتى .
على هذا سيتمّ تناول العرش والكرسي من خلال المحاور التالية :
1 العرش والكرسي في النصّ .
2 التحليل المفهومىّ .
3 تحليل مستأنف في ضوء النصّ .
1 العرش والكرسي في النصّ
حظيت هاتان الحقيقتان بعناية وافرة من القرآن الكريم والنصّ الحديثى الشريف ، على النحو الذي يسمح بتناولهما في ضوء هذين المنطلقين معاً .
أ : في القرآن الكريم : لم يرد ذكر الكرسي في القرآن إلّا في آية واحدة هي المشهورة بآية الكرسي ، حيث قوله سبحانه : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ
هامش
( 1 ) يُنظر : التوحيد : بحوث في مراتبه ومعطياته ، ج 1 ، ص 318 265 .