القضاء والقدر في طبيعة علاقة هذه الفكرة بالواقع الاجتماعي من دون أن يعنى ذلك تضخيم الفكر ونصبه إلهاً لا شريك له في حياة الناس . فللفكر دوره في صياغة الواقع الاجتماعي وهو مقدّمة لابدّ منها ، بيدَ أنّه لا يملأ المساحة بأكملها ، ومن ثمّ لا يلغى بقيّة المقدّمات والعلل التي تسهم في بناء الواقع الاجتماعي أو تغييره . كما لا معنى لتضخيم الواقع وعزله عن الفكر تماماً ، بذريعة تضخيم البُعد الاجتماعي وبدعوى التركيز على الجانب العملي .
نبّه الباحثون المسلمون إلى هذه المسألة بوجهيها في دراستهم للقضاء والقدر ، فبيّنوا أنّ هذه المقولة ليست عقيدة مجرّدة أو محض فكرة نظرية لا علاقة لها بالواقع ، كما أشاروا أيضاً إلى أنّ الواقع الاجتماعي وضروب السلوك الإنسانى لا تكفى وحدها لحلّ العقدة أو أن تكون دليلًا على المحتوى النظري ، كما أنّها ليست بديلًا لنظرية التفسير والبحث العلمي ، إذ المطلوب هو ضرب من التوازن السليم بين المكوّنين النظري والعملى .
عن الوجه الأوّل يقول مغنية في سياق بحث عن القضاء والقدر والحريّة الإنسانية : « إنّ مسألة حرية الإنسان في أفعاله ليست من نوع الجدل المنطقي الذي لا يمتّ إلى الواقع بسبب ، بل هي متّصلة بحياة الإنسان ومآله ومصيره ، ومن أجل هذا شغلت عقول الناس جميعاً منذ أقدم العصور ، الفلاسفة وغير
الفلاسفة » « 1 » .
أمّا عن الوجه الثاني فيقول مطهّرى : « لا ينبغي أن يخطر على الأذهان بأنّ عرض مسألة ( القضاء والقدر ) و ( الجبر والاختيار ) لا يتمّ إلّا على أساس اجتماعىّ وحسب ، لأنّها قبل كلّ شئ مشكلة علمية ومجهول فلسفي يخطر لكلّ مفكِّر ويتطلّب منه الحلّ » « 2 » .
هامش
( 1 ) فلسفات إسلامية ، محمد جواد مغنية ، مصدر سابق ، ص 367 .
( 2 ) الإنسان والقضاء والقدر ، مرتضى مطهرى ، ص 62 بتصرّف طفيف في صياغة النصّ .