تبقى إشارة لابدّ منها تتمثّل في أنّ الحديث هنا عن تأثير الفعل الإنسانى من خلال ما يملكه الإنسان من حرية الإرادة والاختيار ، إنّما يقع في نطاق نظرية الأمر بين الأمرين ، وليس في نطاق التفويض الاعتزالى ، وذلك على التفصيل الذي مرَّ في المبحث السابق .
إشكالية فرعية
القول إنّ نظام الخليقة والوجود محكوم بسنن وقوانين ضروريّة ، هل يعنى التفويض وأنّ الخالق جلّ وعلا كفّ يده عن الوجود ؟ هذه إشكالية فرعية قد تنتج عن الفهم السابق تؤدّى إلى تصنيم نظام السببيّة وتأليه السنن ونصبهما آلهة تُعبد من دون الله سبحانه ، كما تورّطت بذلك بعض تيّارات العقلانية الأوربية بعد عصر النهضة ومن تأثّر بها في بلاد المسلمين .
إنّنا نؤمن بسريان مبدأ السببيّة في الوجود وجريان السنن والنواميس في عالم الخليقة وسوح الحياة ، بخاصّة الساحتين التأريخية والاجتماعية ، بيدَ أنّ ذلك لا يعنى أنّ هذه القوانين والسنن ضرورية في نفسها مستغنية عن الله تعالى ، ومن ثمّ لا تعنى قطع علاقة الكون والوجود والحياة بالله بعد أن استغنت عنه بهذه القوانين والسنن ، كما أنّها لا تعنى أنّ لها من الحاكمية ما تفرض به إرادتها على خالقها سبحانه . لنتمعّن مدلولات هذا النصّ جيّداً : « قد بيّن القرآن الشريف على ما يُفهم من ظواهره قوانين عامّة كثيرة في المبدأ والمعاد وما رتّبه الله تعالى من أمر السعادة والشقاوة ، ثمّ خاطب النبىّ صلّى الله
عليه وآله بقوله : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَىْءٍ « 1 » . لكنّها جميعاً قوانين كلّية ضرورية ، إلّا أنّها ضرورية لا في أنفسها وباقتضاء من ذواتها ، بل بما أفاده الله سبحانه عليها من الضرورة واللزوم » « 2 » .
هامش
( 1 ) النحل : 89 .
( 2 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 6 ، ص 255 254 .