لقد بلغ من فرحة الشيخ من جواب الامام أن أنشد أبياتاً من الشعر تنمّ عن مدى سعادته عن إزاحة الغموض والالتباس اللّذين خالطا تفكيره حول القدر والقضاء « 1 » .
يومئ النصّ العلوي بجلاء إلى سريان القدر والقضاء في كلّ حركة وسكنة وفعل ، ويضرب بقوّة على المبدأ المغلوط ؛ مبدأ تقارن الإيمان بالقدر والقضاء مع الجبر ، من خلال نفى الالتباس الناشئ عن أنّ الإيمان بهما يؤدّى إلى تعطيل الإرادة الإنسانية وإلغاء حريّة الإنسان واختياره ومسؤوليّته ، ثمّ يعدّد التبعات الخطيرة التي تلزم من الانسياق وراء هذا التفكير الملتبس على مستوى عقيدة الإنسان المسلم ووجوده ودوره في حركة الحياة كما على مستوى الموازين الأخروية ، رافضاً المضامين التي ألَّفَت فيما بعد الاتجاه الأشعري ودخلت في تكوين النظرية الجبرية بشكل عامّ .
من الأحاديث الأخرى التي تؤكّد المدلول ذاته الكائن في عدم التعارض بين الحرية والقدر والقضاء ، وتركّز المعنى الذي يقول إنّهما يقعان في سياق نظام السببيّة العام ويتساوقان مع المبدأ السننى ، ما عن الإمام الصادق عليه السلام في قوله :
« إنّ القضاء والقدر خلقان من خلق الله »
« 2 » . فحيث يكونان كذلك ، فإنّ الله سبحانه هو الذي جعل هذه المقدّمات ، وجعل تلك النتيجة مترتّبة على هذه المقدّمات ، تماماً كما في مثال النار ، حيث جعل سبحانه النار
هي السبب وجعل الإحراق هو المسبّب ، وكلاهما مخلوق له . بتعبير آخر : ما دام القدر والقضاء مخلوقين من خلق الله ، فلايشذّ عنهما نظام السببيّة ولا يخرجان عن نطاق حركة السنن الإلهية والنواميس الربّانية ، بل هما مندرجان في هذا السياق وليسا شيئاً آخر من خارجه ، مفروضين على الإنسان ولاغيين لإرادته وحرّيته .
هامش
( 1 ) تنظر الأبيات في : المصدر السابق ، ص 381 .
( 2 ) التوحيد ، كتاب التوحيد ، باب القضاء والقدر ، ح 1 ، ص 364 .