السنن « لا تجرى من فوق رأس الإنسان ، بل تجرى من تحت يده » « 1 » ومن ثمّ فهو سهيم في إيجاد قدره والتمهيد لنوع قضائه ، بمشيئة الله الذي منحه القدرة على الحرّية والاختيار ، وشاء بحكمته البالغة أن يجرى الكون والوجود الإنسانى على أساس سنن محدّدة يدركها الإنسان بعقله وينال منافعها بكدحه وجهده .
ممّن أسهم في معالجة عقيدة القدر والقضاء على الأساس ذاته هو الشيخ محمّد جواد مغنية ( ت : 1979 م ) . ففي كتاب له عنوانه « فلسفة التوحيد » تناول بأسلوبه الجاذب اليسر هذه المقولة داخلًا إليها عبر نظام السببيّة وقانون العلّة والمعلول . فما دام موضوع القضاء والقدر هو ما يحدث في الطبيعة من ظواهر وما يصدر عن الإنسان من أعمال ، وما دام لهذه الحوادث والأعمال والظواهر موجبات وأسباب ، فإنّ القضاء والقدر المنبسطين فيها ، إنّما « يوجبان ما يوجبان بتوسّط أسباب وعلل مترتّبة منتظمة ، بعضها مؤثّرات وأخرى متأثّرات ، ومتى اجتمعت الأسباب وارتفعت الموانع وُجد الشئ المقضى المقدّر » « 2 » .
ثمّ ينعطف لمقاربة المقولة بالسنن ، فيستعرض بعض آيات السنن في القرآن الكريم ، لينتهى إلى القول بأنّ هذه الآيات دلّت « بصراحة ووضوح على أنّ قانون الأسباب والمسبّبات ، وربط النتائج بالمقدّمات هو قانون كونىّ إلهىّ يطّرد في كلّ شئ ولا يخرج عنه شئ إلّا إذا خرج عن صنع الله » « 3 » .
وبذلك فإنّ القضاء والقدر داخلان في إطار هذا القانون الكوني الإلهى لا يشذّان عنه ، وهما جزء منه أيضاً ، لأنّهما من صنعه سبحانه ومن خلقه ، كما نقرأ في الحديث الشريف :
« إنّ القضاء والقدر خلقان من خلق الله »
« 4 » .
هامش
( 1 ) المصدر السابق ، ص 84 .
( 2 ) فلسفة التوحيد ، المطبوع في إطار مجموعة : فلسفات إسلامية ، ص 63 .
( 3 ) المصدر السابق ، ص 64 .
( 4 ) التوحيد ، كتاب التوحيد ، باب القضاء والقدر ، ح 1 ، ص 364 .