السببيّة ليبقى وفيّاً لإيمانه في نفى تأثير أىّ فاعل في الوجود غير الله سبحانه . فالأفعال الكونية عند الأشاعرة كلّها جائزة لا ترتيب لها ولا نظام ، ولا علّية ولا معلولية ولا ملازمة بين الاثنين .
تمّ مناقشة هذه الرؤية من زاوية آثارها السلبية على منظومة الفكر الإسلامي نفسه وفى الطليعة التوحيد ، إذ إنّ نقض مبدأ السببيّة وتجميد العلاقة بين الدليل والمدلول يغلق الطريق لإثبات الصانع ( جلّ وعلا ) وإثبات النبوّة والكتاب ، فلا تصل منظومة الفكر إلى إثبات التوحيد الخالقى حتّى بالصياغة الأشعرية ذاتها .
مشكلة الأشاعرة أنّهم تصوّروا بأنّ إثبات فاعلية شئ غير الله يتنافى مع الفاعلية الإلهية ؛ نتيجةً لخلطهم بين العلل الطولية والعرضية .
8 الشيعة الإمامية الاثنا عشرية والمعتزلة كلاهما يتّحدان في موقف مناهض للأشاعرة ويقفان على أرضية نظرية واحدة تؤمن بفاعلية الأسباب الطبيعيّة والوجودية ، لكن يبقى بين الشيعة والمعتزلة بون شاسع . لقد التزم المعتزلة بقراءة معاكسة للاتجاه الأشعري فسقطوا بالإشكالية الأشعرية ذاتها ، لكن غاية ما هناك أنّهم انحازوا إلى الشقّ الثاني منها .
توضيح ذلك أنّ المعتزلة قدّموا نفى الفاعلية الإلهية ثمناً لإيمانهم بمبدأ السببيّة ، تماماً كما ضحَّى الأشاعرة بمبدأ السببيّة ثمناً لإيمانهم باختصاص التأثير بالله وحده .
المطلوب مركّب نظرىّ يجمع بين التأثير الإلهى ومبدأ السببية معاً ، وهذا
هو صلب الموقف الإمامي .
9 أفرز الفكر الإسلامي ثلاثة اتجاهات رئيسيّة في الفواعل الاختيارية وفى الطليعة الفعل الإنسانى ، توزّعت على ثلاث مدارس بارزة هي المدرسة الأشعرية والمدرسة الاعتزالية ومدرسة الشيعة الإمامية الإثنى عشرية .
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 137
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٣٧