اختارت المدرسة الأولى موقفاً يفيد بأنّ الأفعال التي تصدر من الإنسان هي فعل الله حقيقة ، فأنكرت دور الإنسان وآمنت بالجبر ، ولم تنفعها نظرية الكسب التي سعى بعض رموز المدرسة إلى التخفيف من خلالها من غلواء الجبر . من التبعات الخطيرة التي ترتّبت على المنحى الجبري وسلب الإنسان مسؤوليته عن فعله : إنكار العدل ، وإنكار الحسن والقبح العقليّين ، والإيمان بعدم قبح تكليف ما لا يطاق وغير ذلك .
أمّا المعتزلة فقد ذهبت إلى أنّ هذه الأفعال هي فعل الإنسان مباشرة وعلى نحو الاستقلال ، وهذه نظرية التفويض في مقابل الجبر الأشعري .
الحقيقة أنّ المعتزلة اندفعوا إلى موقفهم التفويضى على خلفية حرصهم على حريم العدل الإلهى ، ورغبة في تصحيح الثواب والعقاب على أساس استقلال الإنسان وحرّيته في فعله ، ليكون الجزاء الإلهى عدلًا ، بيدَ أنّ هذا الحرص على وصف الله بعدله أوقعهم في محذور كبير ؛ ذلك أنّهم سلبوا الله سبحانه قدرته وسلطانه !
لا ريب أنّ حالة الشدّ والاستقطاب العنيف بين الأشاعرة والمعتزلة ، كانت تسهم في عملية تطرّف كلّ فريق وتخندقه فكرياً في موقف فكرىّ مناقض بالكامل للفريق الآخر .
لقد توسّطت بين النظريتين ثالثة أنكرت الجبر والتفويض معاً وقالت فيما بينهما . وهذه هي نظرية « الأمر بين الأمرين » التي يتبنّاها الشيعة الإمامية ويدافعون عنها تبعاً لأئمّة أهل البيت عليهم السلام ويعدّونها منسجمة مع توحيد
الخالقية دون النظريتين الأوليين .
10 لقد خصّص البحث صفحات طويلة لمناقشة الاتجاهين الجبري والتفويضى ، ليستنتج أنّهما لا يصمدان أمام التمحيص العقلي والمناقشة النقلية قرآناً وسنّة . وبتهاويهما يسقط هذا الاستقطاب الذي مزّق الفكر الكلامي
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 138
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٣٨