خطّته وتحفيز العقل وإثارته للتعاطى مع محتوياته ؛ نسجّل فيما يلي إشارات سريعة إلى بعض أبعاد الفتح المعرفى العلوىّ الكبير :
ثَمّ نقطة منهجية تأتى في البدء يميِّز عبرها النصُّ العلوىّ بين منهجين في المعرفة ؛ تبعاً للتمييز القرآني ذاته ، حيث يقول الله سبحانه : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِى الْآفَاقِ وَفِى أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ « 1 » .
فمع مشروعية الطريقين الآفاقي والأنفسى في المعرفة ، إلّا أنّ النصوص العلوية لا تخفى ترجيح المعرفة الأنفسية بوصفها الطريق الأفضل والأكمل المؤدّى إلى معرفة الله سبحانه ؛ تبعاً لما في النبوىّ الشريف :
« من عرف نفسه عرف ربّه »
أو
« قد عرف ربّه »
. ففي « الغرر والدرر » وحده روى الآمدي من كلمات الإمام أمير المؤمنين القصار نيفاً وعشرين حديثاً في معرفة النفس ، منها قوله عليه السلام :
« غايةالمعرفة أن يعرف المرء نفسه »
، وقوله :
« من عرف نفسه عرف ربّه »
، وقوله :
« المعرفة بالنفس أنفع المعرفتين »
. تستند المعرفة الآفاقية التي تنطلق من التعاطي مع الواقع الخارجي ، إلى النظر الفكري ، ومن ثمّ فهي حركة فكرية ترتدّ إلى تأليف الأقيسة واستعمال البرهان للتحقّق من صحّة النتائج التي تبلغها . لهذا تبقى هذه المعرفة بحاجة إلى انتباه دائم وتركيز مستمر على مقدّماتها ، كما أنّها عرضة للخطأ والاختلاف لأنّها علم حصولىّ .
الأهمّ من ذلك أنّ للمعرفة الفكرية مدىً محدّداً ليس بمقدورها أن تتخطّاه ، ولا تترتّب عليها بالضرورة آثار تربويّة . فما أكثر من يعلم علماً دينياً وسلوكه لا ينمّ عن الاستقامة والصلاح .
هامش
( 1 ) فصلت : 53 .