وبحدّ ما . الحقيقة أنّ هذه المسألة تنازعتها تيّارات عديدة في فكر المسلمين ، أبرزها التيّار التعطيلى ، الذي يذهب إلى تعطيل الإدراك الإنسانى عن التعاطي مع المعرفة التوحيدية ، ثم التيّار التشبيهى الذي ينزلق إلى إشراك الله سبحانه مع الممكنات وقياس معرفته في ضوئها .
أمّا المنطق العلَوىّ فهو يؤمن بإمكان المعرفة (
أوّل الدين معرفته
) « 1 » لكن بتمييز وحدودٍ بين الممكن والمحال . في نصّ علوىّ يرسم الإمام أمير المؤمنين الحدود بين المنطقتين المحالة والممكنة ، بقوله عليه السلام :
« لم يُطلع
العقول على تحديد صفته ، ولم يحجبها عن واجب معرفته »
« 2 » كما يرسم في نصّ آخر حدّاً واضحاً بين المعرفة الممكنة والممتنعة :
« فلسنا نعلم كنه عظمتك ، إلا أنّا نعلم أنّك حىّ قيّوم لا تأخذك سنة ولا نوم » « 3 » .
إذن : المعرفة ممكنة ، والاكتناه محال ، وباب المعرفة مفتوح غير مسدود وإلّا
« لكان التوحيد عنّا مرتفعاً »
كما في الحديث الشريف « 4 » ، أو كما قال الإمام الصادق عندما سأله سدير : فكيف سبيل التوحيد ؟ قال عليه السلام :
« باب البحث ممكن وطلب المخرج موجود » « 5 » .
إنّما تكمن الأهمّية في عدم
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، مصدر سابق ، الخطبة الأولى ، ص 39 .
( 2 ) نهج البلاغة ، الخطبة رقم 49 ، ص 88 .
( 3 ) نهج البلاغة ، الخطبة رقم 160 ، ص 225 .
( 4 ) الذي جاء في حوار الإمام الصادق عليه السلام مع أحد زنادقة عصره ، حينما رام المجادِل أن يغلق باب المعرفة التوحيدية عبر احتجاجه بقدرات العقل الإنسانى وأنّ ما / / يكوّن من صور إدراكية في هذا المجال لا يزيد على كونه أوهاماً . ينظر الحوار كاملًا في : الكافي لمحمد بن يعقوب الكليني الرازي ( ت 329 ه ) دار الكتب الإسلامية ، طهران ، 1388 ه ، كتاب التوحيد ، باب إطلاق القول بأنّه شئ ، ج 1 ، ص 83 الحديث : 6 .
( 5 ) تحف العقول ، مصدر سابق ، ص 327 .