الإنسان مجبول على التوحيد وهو مودع في فطرته ؛ قال تعالى : فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ . . . « 1 » والأحاديث متظافرة في تفسير الفطرة بالتوحيد . إذن ، لا تواجه الإنسانية مشكلة إلحاد على المستوى النظري ليكون هناك ما يسوّغ تركيز الجهود على إثبات وجوده سبحانه . فالواقع الإنسانى كان ولا يزال يعيش الإيمان بالله ، والموكب البشرى متّجه صوب الإيمان أبداً .
وإذا كان ثمّ مشكلة تعيشها البشرية على هذا الصعيد منذ فجر وجودها حتى قيام الساعة ، فهي تكمن في إثبات التوحيد ونفى الشريك .
هذه الفكرة لخّصها المنطق العلوىّ وأبان حلقاتها بالنصّ التالي الذي يطالعنا في أوّل خطب النهج :
« أوّل الدين معرفته ، وكمال معرفته التصديق به ، وكمال التصديق به توحيده » « 2 » .
على أنّ النصّ يكشف أن لا قيمة للمعرفة وحدها ما لم تكن مؤدّية إلى التصديق والإيمان ، والتوحيد في المنطق العلوىّ هو أهمّ ركن في التصديق ، بل هو كماله .
2 التأمّل في حصيلة النصوص العلوية قد يفيد التصنيف الذي يقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام هي : التوحيد الذاتي ، والتوحيد الصفاتى ، والتوحيد الأفعالى ، إلا أنّ هذا المعنى يمكن استشفافه من نصوص نقلية أخرى .
بيد أنّ المهمّ في ذلك كلّه هو بلورة معنى الوحدة التي تحدّث عنها القرآن الكريم في مثل قول الله تعالى : وَمَا مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ وَاحِدٌ « 3 » ، وقوله سبحانه : وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ « 4 » ، وقوله سبحانه :
وَمَا مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ وَاحِدٌ الْقَهَّارُ
« 5 » .
هامش
( 1 ) الروم : 30 .
( 2 ) نهج البلاغة ، مجموع ما اختاره الشريف الرضىّ من كلمات الإمام علي عليه السلام ، ضبط نصّه وابتكر فهارسه العلمية : د . صبحي الصالح ، بيروت ، 1967 ، الخطبة الأولى ، ص 39 .
( 3 ) المائدة : 73 .
( 4 ) الرعد : 16 .
( 5 ) ص : 65 .