من زنزانة ذاته ، ودائرة أنانيته المظلمة وأعطى للآخرين ، وكان كريماً وجواداً ، فإنه في واقع الأمر يكون قد قفز قفزة واسعة للغاية في مسيرة تطوره وتكامله وسموه ، إذ انه استطاع الوصول إلى حقيقة الإنسانية وجوهر الآدمية ، لأنه يعيش الحق والإحسان والإنصاف ، ولا يعيش الذات والهوى .
ومن هنا ، فقد قال ربنا سبحانه وتعالى في سورة الحشر المباركة ؛ وهي السورة نفسها التي ضرب الله المثل فيها بالأنصار الذين آثروا المهاجرين في التاريخ على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة . . قال جل اسمه : يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللّهَ ووسيلة التقوى : العقيدة والسلوك ، وهي : وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ أي إنه من الخطأ أن يجعل المؤمنون كل طاقاتهم وإمكاناتهم وثرواتهم حكراً على هذه الدنيا ، بل لابد أن يكون قسم منها للآخرة ؛ الآخرة التي هي جزءٌ من حياة الإنسان أيضا ، فلماذا هذا الولع بساعة أو ساعتين ، ويوم ويومين ، ومجرد سنة أو سنتين من عمره ؟ ولماذا هذه الغفلة الرهيبة عن اللحظات الحاسمة في الحياة ، أو ما يمكن تسميته بالعاقبة ؟ !
وعليه ؛ فمن الجدير بنا أن نتعلم ونستفيد من التقوى ، هذه الصفة ، صفة الجود والكرم ، وأن يكون الواحد منا لدى تعامله والآخرين يبحث عما يمكنه منحه لهم ، لا عما يأخذه منهم ، وأن يكون ممن يوق شح نفسه ويترفع على الأنانية والبخل والجمود . .
أحاديث رمضانية — صفحة 17
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٧