إذ أن الحرية المطلقة للبهائم والسباع في الغابات هي حرية الاعتداء المتبادل ، وينتهي الأمر إلى أن يأكل القوي الضعيف .
ان الحرية في الواقع تتمثل في حفظ حرمات الآخرين . فحريتي تكون حقيقية وواقعية حين يحترم الآخرون حقوقي ، ويحترمون شخصيتي وكرامتي . لذلك لا يستخدم الإسلام كلمة الحرية الا قليلا وانما يستخدم الجانب الآخر للحرية وهو عبارة الحرمة ومشتقاتها ، فيقول . . حريم الإنسان ، وحريم البيت ، وحرم الله ، وحرمة الاعتداء . فالحرية تتبدل في مفهوم الإسلام إلى الحرمة ، لأن الحرمة هي التي تحافظ على الحرية . وحينما يحافظ الناس على حرمة البيت ، والشارع ، والمدرسة ، والسوق فمعنى ذلك أنهم يحافظون على حرية الأفراد ، ومن هنا سُمّيت مكة المكرمة حرماً آمناً ، لأن حرية الإنسان فيها مضمونة ولا يمكن لأحد أن يعتدي على حقوق الآخرين .
الثاني :
حين يستخدم الإنسان حريته ، فإن وضعه سيكون إنعكاسا لنفسيته ، وثقافته ، ومستواه الحضاري . فقد يكون الإنسان متخلفا من الناحية الحضارية والثقافية ، ومنحرفا من الناحية السلوكية ، لذلك فإن حريته اللا محدودة ستكون كارثة حقيقية له وللآخرين . وحينما نعطي له الحق بأن يكون حرا في اختياره ، فإن الحرية ستكرس تخلفه وانحرافه وبالتالي ستكرس الفساد في الأرض .
ان حرية المشركين مثلا في إختيار الشرك كخط عقائدي في الحياة ، تعني تكريس الشرك في واقعهم وإعطاء الشرعية لهذا الانحراف ، وهذا يتناقض مع فطرة الإنسان ، ذلك لأن الشرك هو عبودية الإنسان لغير الله ، ويعني بالتالي استغلال حرية الإنسان في إختيار العبودية لغير الله .
والأنبياء حينما أرسلوا لهداية البشرية ، قاومهم الكثير من الناس بحريتهم ، فهناك الكثير من البشر كانوا مضللين ، وكانوا يستخدمون
القيادة السياسية في المجتمع الإسلامي — صفحة 86
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٨٦