فماذا ترى يمثل ابن آدم من وجود أمام وجود وتعاظم الكون بمجراته وكواكبه وشموسه التي خلقها الله لتكون له آية يمعن التفكر فيها ؛ وهو الإنسان لا يعدو كونه إلّا واحداً من مائة مليون نوع من الأحياء في كرتنا الأرضية ؟
يشعر من يسير نحو الإنحدار بالاطمئنان إزاء الرقابة السماوية ، معتقداً بعدم وجود الحساب والعقاب ، فيرتكب الذنوب تلو الذنوب ، ويتجاهل ما تتلى عليه من الآيات في كل حين ، ويتغافل عمّا تأتيه من نذر تحملها الرسل . فهو يحضر مجالس القرآن الحكيم ويشارك في الشعائر الدينية ويشاهد بأم عينيه كيف يقضي إخوانه ورفاقه نحبهم ؛ الواحد تلو الآخر ، غير أنه وبكل إصرار وعناد يظن أنه ليس معنيّاً بهذه الإشارات والصعقات الإلهيّة ، أو أنه يخالها خاصّة بغيره دونه .
ولعل الداعي إلى كل ذلك الإصرار على نكران وتكذيب هذه الاضاءات التي يرحم الله بها عباده . وهذا التكذيب بحدّ ذاته يأتي انعكاساً للرغبة الشيطانية المستفحلة داخل الذات البشرية المنحطة .
إنه يغفل أو يتغافل عمّا حذرتنا آيات القرآن المجيد من مغبة اتباع الهوى . فالآيات التي تتحدث عن أهوال القبر ويوم الحساب ونار جهنم كثيرة جداً ، والأحاديث والروايات الواردة عن النبي وأهل بيته عليه وعليهم السّلام أكثر من ذلك عدداً ، إلّا أن الإنسان في معظم الأحيان يضع هذه التوجيهات الفذّة وراء ظهره ويحاول حجبها عن
الإنسان وآفاق المسؤولية — صفحة 58
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٥٨