الفاسدة ، والتي أعلن فيها إيمانه حيث قال : ( إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ) كانت جديرة أن يثبتها التأريخ ، بل هي جديرة بأن يذكرها القرآن الكريم كمواقف جريئة تنبع عن إيمان بالعقيدة وعن استعداد للدفاع عنها في كل الأحوال والظروف وبغض النظر عن النتائج الآنية الدنيوية . لذا لم يذكر القرآن الكريم المصير الذي آل إليه هذا النبي في أعقاب إعلانه الرسالة ، وإنما يذكر القرآن أنه دخل الجنّة ؛ الجنّة التي هي جزاء الإنسان الذي يحمل رسالة ويريد تكريس التوحيد في الأرض .
الإنسان الذي يريد تغيير مجرى التأريخ إلى ما فيه خير البشرية جمعاء ، الإنسان الذي يريد أن يكون حجة الله على الناس لابدّ أن يتحمل مثل هذه المصاعب وأن يواجه مثل هذه العقبات والمشاكل .
وكل صاحب إيمان وعقيدة لابدّ أن يتوقع أن يقال له ( قيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ) ( ياسين / 26 ) ، وحينها إذ يرى الجنّة والحور العين والقصور والأنبياء السابقين يرى شيئاً بعيداً عن تصوّره وعن تصوّر أي إنسان فيتمنّى أن يكون قومه معه في مثل هذا النعيم ( قالَ يا لَيْتَ قَوْمي يَعْلَمُونَ ) بأني لو كنت أعرف هذا مسبقاً لأخبرت الناس كلّهم ولدعوتهم لينالوا هذه الجائزة الجديرة بالتضحية . ( قيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمي يَعْلَمُونَ * بِما غَفَرَ لي رَبّي وَجَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمينَ ) بأن هداني للإيمان وللتضحية في سبيل الحق ، فجعلني من أصحاب الكرامة وفي صف الأنبياء والصدّيقين والصالحين ، وهي منزلة ما بعدها منزلة .
الإنسان وآفاق المسؤولية — صفحة 154
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٥٤