تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
فالمتزمتون حاولوا أن يحصروا الدين عند الناس في حدود معينة من السلوك الفردي وبعض النظم الاجتماعية ، أما في المناهج العلمية والأفكار الفلسفية والقواعد الخلقية فلابد أن يُصبح تابعًا متواضعًا للفلسفة التي يختارونها كلٌّ حسب هواه . ومن هنا قالوا : إن الإسلام يشجعهم على اتِّباع الفلسفة الإغريقية . وذهب الخيال ببعضهم حد القول بأن أفكار الفلسفة القديمة هي بالذات معطيات الإسلام ، فالمنطق الشكلي ونظرية القوة والفعل وهيئة بطليموس وما أشبه هي عندهم نظريات إسلامية . وكانت نسبتهم هذه إلى الإسلام أشبه شيء بنسبة رجال الكهنوت خرافات العصور الوسطى إلى المسيحية ، مما أدَّت إلى ارتداد العلماء عن الدين في أوروبا . أما النصوص الشرعية المخالفة لهم في نسبتهم هذه فكانت في أيديهم ألين من الحديد بين أصابع داود ( ع ) ، حيث أخذوا يُؤوِّلون فيها ويُحرِّفونها ويفترون على الله الكذب وهم هادئون مطمئنون . وفي الطرف المعاكس تمامًا كان الانهزاميون يقومون بدور مماثل للمتزمتين ولكن من منطلق مختلف ، إذ كانوا يحاولون تجريد الإسلام من روحه الناصعة ، ومبادئه الفطرية الصائبة ، وتمييع أحكامه المحددة وتوجيه نصوصه وفق ( فلسفات الغرب الحديثة ) ، ناسين أو متناسين كل ما في هذه الأخيرة من سلبيات وتناقضات . وقد بلغ الجهد ببعضهم حدًّا دعا المسلمين إلى تبني فكرة مناهضة للإسلام تمامًا ، وباسم الإسلام ذاته ، وقالوا : لا يعدو الإسلام أن يكون انتماءً قوميًّا أو قبليًّا أو عائليًّا ، فهو ينسجم ، أو بالأحرى لابد أن نجعله بحيث ينسجم ، مع كل جديد يقتضيه اتِّجاه الحضارة الحديثة . ولم يعلموا أنهم بعملهم هذا انتزعوا عن الإسلام أهمَّ ما فيه ، وهي الروح المبدعة المُغيِّرة والثائرة . وضاعت الأمة الإسلامية المُرتقبَة والحضارة الإسلامية المأمولة ، ضاعت في زحمة هذه الاتجاهات المُتطرِّفة . وأصبح الإسلام كلمةً جوفاء مطاطية كأنها ضباب السواحل تشمل جميع المتناقضات . وليس أبدًا ذلك الدين الواحد الذي جاء من ربِّ واحد لتكوين أمة واحدة ، بل إنه أَلْف دينٍ وأَلْف مذهب وأَلْف أمة . . وكانت هذه عقبةً تعترض مسيرة المسلمين الحضارية ، وكان لابد لنا من تحديها بأمرين :