إن هذا هو الخط الواضح القويم الذي لا يُمكننا أن ننجح دون الالتزام به والوفاء بمتطلباته .
بيد أن هناك عقبةً تعترض الطريق ، وبمدى قدرتنا على تحديها يكون مدى جدارتنا بحماية حضارتنا التليدة وبنائنا للحضارة الجديدة . وهي التطرفات اليمينية واليسارية التي تريد بالمسيرة الانحراف عن خطها المستقيم . فاليمين يحاول تجميدنا على الأوضاع الفاسدة ، واليسار يريد تمييعنا في بوتقة الحضارات المعاصرة . اليمين يرفض الأخذ بأي جديد ويحاول بنا الانطواء على شكليات القديم المهترئة والتقوقع في توابيته الفكرية المُحنَّطة ، ويرضى لنفسه أن يكون تابعًا أعمى للفلسفة الإغريقية والبرهمية ولا يقبل الانفتاح على معطيات الحضارة الحديثة العلمية ، بل ولا على معارف الدين الإسلامي الحق . ولذلك لا يزال يعتكف على منطق أرسطو وهيئة بطليموس وطب جالينوس في عصر المناهج العلمية الدقيقة ، حيث يُرتاد الفضاء وتُستخدم الذرة وتُستعمل الأشعة في شفاء الأمراض .
والذي لا ريب فيه أن اليمين بعيد عن روح الإسلام بُعْدَ المشرقين ؛ ذلك لأن الإسلام فلسفة شاملة أصيلة متفاوتة كليًّا مع فلسفات الإغريق والبراهمة - الوثنية المشركة - ، والإسلام منفتح كليًّا على معطيات العقل والعلم ولا يرضى التقوقع ضمن توابيت القديم .
ولا ريب - كذلك - في أن اليمين عقبة دون بناء الحضارة ، لابد من تجاوزها .
والتطرف اليساري هو الآخر عقبة كؤودة يُشكِّلها الانهزاميون ، الذين منعتهم التيارات الغربية الشعورَ بأنفسهم ، فراحوا ينظرون إلى واقعهم وكيانهم بعيون مستعارة ، فلا يرون الَّا مصالح الآخرين . فهم يريدون أن نرفض كل أصيل ؛ لأنه - في زعمهم - السبب المباشر لتخلُّفنا .
والمسلمون ظلوا بين تزمّت اليمين وميوعة اليسار لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا ؛ ذلك لأن المنحرفين راحوا يُشكِّكون في قدرة الإسلام أن يبني حضارة المسلمين الحديثة الأصيلة . وبما أن الدين لا يزال يتمتع بقاعدة شعبية واسعة وراسخة ، فإن المنحرفين لم يقدروا على الهجوم على صلاحية الإسلام أو إمكانية المسلمين للقيام ببناء حضارة حديثة ، بل راحوا ينافقون - كل حسب اتِّجاهه المتطرف - أيَّما نفاق .
الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 25
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٥