نظرة أخرى على هذا الرضيع الميمون فيهزّه البُشر حيناً ، ويهيج به الحزن أحياناً ، ولا يزال كذلك حتى تنهمر من عينيه الوضيئتين دموع ، ودموع . . .
يبكي رسول الله صلى الله عليه وآله . . وما أشجعه ! ، وهو الذي يلوذ بعريشه أشجع قريش وأبسلها ، علي بن أبي طالب عليه السلام حينما يشتد به الروع ، فيكون أقرب المحاربين إلى العدو ، ثم لا يفلُّ ذلك من عزمه ومضائه قدر أنملة ، لكنه الآن يبكي وحوله نسوة في حفلة ميلاد ، فما أعجبه من حادث !
تقول أسماء : «
فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي وَمِمَّ بُكَاؤُكَ ؟ ! قَالَ : عَلَى ابْنِي هَذَا .
قُلْتُ : إِنَّهُ وُلِدَ السَّاعَةَ يَا رَسُولَ الله ؟ !
فَقَالَ : « تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ مِنْ بَعْدِي ، لَا أَنَالَهُمُ اللهُ شَفَاعَتِي
» « 1 » .
إن القضية التي تختلج في صدر رسول الله صلى الله عليه وآله ليست عاطفة إنسانية أو شهوة بشرية حتى تُغريه عاطفة إعلاء ذكره وبقاء أثره في آله .
كلا . . بل هي قضية رسول ، اصطفاه الله واختاره على علم منه ، بعزمه ومضائه ، وصدقه وإيمانه .
قضية مَنْ تَحمَّل مسؤولية أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال الرواسي ، إنها مسؤولية الرسالة العامة إلى العالمين جميعاً .
والحسين عليه السلام ليس ابنه فقط ، بل هو قدوة وأسوة لمن يُنذر من بعده ، فنبأ مصرعه هو بالذات نبأ مصرع الحق بالباطل ، والصدق بالكذب ، والعدالة بالظلم . . . وهكذا .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ، ج 43 ، ص 238 .