جلست خديجة كئيبة حزينة ، إذ لم تكن هناك نساء يُستأجرن لهذا الغرض مثلما هو موجود الآن . كما لم تكن هنالك مستشفيات للولادة . ومن المعلوم أن المرأة تحتاج في مثل هذه الحالة إلى من يلي أمرها .
جلست كئيبة ، وحق لها ذلك . ألم تكن بالأمس سيدة قريش ، وملكة الحجاز ، تقوم على أموالها تجارة الجزيرة شمالًا ، وجنوباً ؟ ولكنها حين أنفقت أموالها في سبيل الله ، بقيت مضطرة منفردة مُعرَض عنها حتى من تلك النسوة اللاتي كُنّ خدمها بالأمس القريب .
وإني هنا أسأل القارئ الكريم : ماذا كان ينبغي لجلال الله ورحمته الواسعة أن يفعل بخديجة التي لولا أنها تبنت الدعوة إلى الإسلام ، وصرفت أموالها في سبيلها لكان وضعها مختلفاً جدًّا ؟
ماذا ينبغي لكرم الله الودود الرحيم الذي خاطب مريم الصديقة عليها السلام - في حالة متشابهة - بأن تَهُزَّ جذع النخلة لِتُساقِطَ عليها رطباً جنياً . الله الذي فلق جدار البيت لفاطمة بنت أسد ، في حالة مماثلة لتدخل البيت ، وتلد عليَّ بنَ أبي طالب عليه السلام ؟
ماذا ينبغي لكرم وجهه أن يفعل في هذه الساعة ؟ . لقد كانت خديجة جالسة في حالتها الكئيبة ، إذ رأت نساءً سُمراً طِوالًا وردن عليها البيت ، وقالت إحداهن : لا تخافي ولا تحزني ، فأنا معك ، جئناك لِنَلِيَ منك ما تلي النساء من مثلك في هذه الحالة . ثم أضافت
تقول : أنا سارة زوجة إبراهيم ، وهذه آسية بنت مزاحم ، وهذه مريم بنت عمران ، وهذه كلثم أخت موسى .
ثمَّ أخذن يتعاونّ في أمر المخاض ، حتى ولدت فاطمة عليها السلام ، قالت وهي تستهلّ الكلام في هذه الحياة : «
أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَأَنَّ أَبِي
فاطمة الزهرا (ع) قدوة وأسوة — صفحة 27
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٧