وبعد ذلك ؛ ما هو التغيير الذي يطرأ على الأم فور انعقاد النطفة ؟ إنها تتغير جسدياً ونفسياً وعقلياً ، بل وكأن العالم برمته يتغيّر من حولها استعداداً لاستقبال هذا المولود الجديد بعد أن نما وترعرع في رحم الأم بانتظار لحظة الولادة .
من جعل أو قذف في قلب العائلة كل تلك اللهفة والمحبة للطفل الجديد ؟ ومن دفع بالأب إلى مطاردة الزمن ومعاركة الحياة للحصول على لقمة عيش يقدمها إلى وليده ، وقد يبقى هو - الأب - جائعاً في بعض الأحيان ؟
فمن قذف كل هذه الرحمة في قلب الأم والأب والمحيط ؟
ويختصر الإمام زين العابدين عليه السلام الإجابة بكلمات قصار تحوي كل المعرفة والعلم بقوله في مناجاة ربه تبارك وتعالى :
( إلهي أذهلني عن إقامة شكرك تتابع طولك ) « 1 » .
إن الإنسان وهو جالس في بيته - مثلًا - يتمتّع بعقل سليم وقلب سليم وحواس سليمة ، وتعمل من حوله آلاف القوانين والنظم بكل دقة وهدوء ؛ وعادة ما يغفل الانسان عن كل ذلك ولا يتنبه إليه إلا إذا حصل خلل ما أو جرّد من نعمة معينة ، تماماً كما لا يحس المرء بالنور إلا بعد انطفائه ، أو يحس بلطافة الجو بعد اختناقه هو ، أو يحس بالاستقرار بعد وقوع الزلزلة . . .
إن الله سبحانه وتعالى قد منح الانسان كل هذه النعم بالمجان . فهو في غنى مطلق عن مخلوقه ، بل وأبعد من ذلك ، حيث روي عن الإمام علي عليه السلام :
( يقول الله تعالى : يا ابن آدم لم أخلقك لأربح عليك ، وإنما خلقتك لتربح عليّ ) . « 2 »
نعم ، إن الله هو الرحمن الرحيم ، وهو الذي سبقت رحمته غضبه ، وهو الذي أحاطت رحمته بكل شيء ، إن هذا هو رب الدنيا وهو رب الآخرة .
هامش
( 1 ) - الصحيفة السجادية الجامعة لأدعية الإمام علي بن الحسين عليهما السلام ، ج 1 ، ص 409 ، دعاؤه عليه السلام في مناجاة الشاكرين .
( 2 ) - ميزان الحكمة ، محمدي الري شهري ، ج 1 ، ص 223 .