وحين يجد الفرد ان الذي يقوم بعمل رجل قوي ، يشعر بضرورة اكتسابه لقوته تلك عن طريق محاكاة أموره .
وهكذا تجدنا نحاول اقتفاء أثر أولئك الذين نحترمهم ونعجب بهم .
ومجرد الشعور بأهمية شخص ، بأنه عظيم في حقل واحد ، يجعل الفرد يعتقد بأنه عظيم في كل حقل ، وذلك يرغب محاكاته في كل عمل .
وهيبة الجماعة ، تؤدي إلى افتقاد عنصر النقد لأعمالها وبالتالي تعطل هذه الطاقة في الفرد مما يهيء الجو أمام الإيحاء المباشر وغير المباشر .
الهوى ؛ جذر الغريزة الاجتماعية :
ويطرح هنا سؤال : أين يكمن جذر الغريزة الاجتماعية عند الإنسان ؟ إننا تعرفنا على وجود هذه الغريزة التي أسميناها بغريزة التوافق الاجتماعي ، وعرفنا بعدئذ ، أنها ناشئة خوف البشر ورجائه ، ولكن خوف البشر ورجاءه ، موضع سؤال هو الآخر إذ يبقى علينا أن نقول : لماذا أصلا يخاف البشر ويرجو ؟ وأي مقياس يحكم درجة خوفه ورجائه ؟ الجواب : بقدر تعشق الفرد لذاته ، يكون خوفه ورجاؤه قويا . وبقدر تجرده عن ذاته ، يتضاءل لديه الخوف والرجاء ، ولسنا بحاجة إلى طرح معادلة علمية لإدراك هذه الصلة ، إذ يكفينا ان نسأل : ماذا يخاف عليه الإنسان ؟ وماذا يرجو له ؟ إنما يخاف على نفسه ويرجو لها ، وهذه بالضبط ، هي الغريزة الأم التي سماها الدين بالهوى .
والذي يأمل تجنب الخطأ ، عليه أن يتحصن ضد غريزة الهوى ، وما تنشأ منها من غرائز ، كالخوف من مخالفة الناس ، والطمع في التوافق معهم .
إن وصايا الحكماء تكرست ضد غريزة الهوى ، وبالخصوص ضد غريزة التوافق الاجتماعي ، لكي يتحصن المرء بعقله ضدها ، ويحبط مساعيها الرامية لإضلاله . . قال الإمام موسى بن جعفر ، في وصيته الرشيدة لهشام ،