كما أن الجهل بواقع الخلق والإرادة ، كان وراء أكثر المذاهب الجبرية ، وأن تذكرة القرآن الحكيم بان الإرادة الإلهية ليست عين ذاته ، بل هي كلمته التي خلقها وخلق بها الأشياء ، فهي فعله وأمره وإذنه ولست ذاته .
إن هذه التذكرة حلت أزمة حادة في العقل البشري ، إذ أن عقولنا اهتدت بتذكر الوحي إلى أن الإرادة حادثة لأنها سبب الفعل ، والعلم قد يكون قديماً ، والعلم لا يؤثر والإرادة مؤثرة .
فعلمك بأنك ستخرج غداً إلى موقع عملك شيء ، وقرارك بذلك شيء آخر ، ففي آخر لحظة يمكن لك أن تقرر غير ذلك ، إذاً قرارك هو الذي يستمر معك إلى آخر لحظة .
وما دام البشر - وهو خلق من خلق الله - قادراً على كثير مما يشاء ، فكيف يكون رب العزة عاجزاً ، وغير قادر على الفعل والترك سبحانه وتعالى .
وبحل هذه العقدة ، نفك سائر العقد العلمية بسهولة ، فما دامت الإرادة خلقاً إلهياً وليست صفة إلهية « 1 » فإن تأخر الخلق درجة وزماناً عن الخالق يكون معقولًا جداً ، إذ أن الله سبحانه وتعالى كان قادراً إذ لا شيء ، ثم خلق الإرادة بقدرته ، وخلق الكون بإرادته .
وهكذا عقدة التغيير في الخلق ، فإن الذي خلق السماوات والأرض بالإرادة الحادثة ، قادر على أن يخلق مثلهن بإرادة حادثة أيضاً .
وهذا مطلق الكمال لرب العرش سبحانه أن يكون فعالًا لما يريد ، قادراً على ما يشاء .
وهو الذي خلق الأشياء بمشيئته وهو قادر على أن يعيدها متى شاء .
أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ( يس / 81 )
إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ( يس / 82 )
هامش
( 1 ) ( ) ليس من أسماء الله الحسنى الواردة اسم ( مريد ) لأن الإرادة ليست صفة إلهية ، بل إن اسمه الثابت هو القادر ، المقتدر ، فعال لما يشاء ، وقدرته على الإرادة أو اللا إرادة قديمة ، وهي عين ذاته ، أما إرادته ، فهي : كخلقه حادث .