لقد سبق بيان نظرية الفيض عند مؤسسها الأول أفلوطين في هامش الصفحات الماضية ، ورأينا كيف أنه يعتقد أن خروج العالم من ذات الله يشبه خروج الشعاع من الشمس وترشح الماء من الكأس الطافحة .
وهذا لا يحدث عندهم أي تغيير وأن يخلق الله الإرادة بقدرته المطلقة يسبب تغييراً .
تفسير الحوادث الواقعة
ويقولون : إن حدوث العالم أمر مسلم ، ولكن أليس كل حادث بحاجة إلى علة ؟ وعلة حدوث العالم هل تجددت له العلية ، أم كانت منذ القديم ؟ فإن زعمتم أن علية العلة حادثة ، كانت هي بدورها بحاجة إلى علة ، وهذا بالطبع يخرجها عن صفة العلية الأولى ، أو قل عن صفة ( القديم ) وإذا قلتم : بل كانت قديمة ، فهل يعقل أن توجد العلة التامة من دون المعلول ؟ هل يعقل أن تكون النار بدون حريق والشمس من دون إشراق ؟ « 1 »
هكذا - وبهذا الدليل الذي اعتبروه أقوى أدلتهم - زعموا بأن حدوث العالم كان منذ القديم ، وظني أنه تشابه عليهم القديم والحادث ، فزعموا قدم الحادث ، ناسين أن القديم بلا زمان ، والحادث جزؤه الزمان ، وصفتا القدم والحدوث متناقضتان .
أولًا : ما هو قولكم في الحوادث اليومية الواقعة ؟ فهل لها علل تامة ، منذ القديم ، أم لا ؟ « 2 »
ثانياً : أن مبدأ تناقض الطاقة في علم الفيزياء الذي يبدو عندهم من المسلمات العلمية ، دليل على أن العالم لو كان قديماً لانتهى منذ زمن بعيد .
هامش
( 1 ) ( ) تفصيل هذا الدليل نقرأه في تهافت الفلاسفة للطوسي ، ص 81 فما بعد .
( 2 ) ( ) سوف نتحدث إن شاء الله عن عدم صحة كلامهم في تعليل الحوادث سواء قالوا بالحركة السرمدية للأفلاك أو الحركة الجوهرية لها .