وبهذا الدليل نحاول إبطال ما تحسه حواسنا ، وتدركه أفكارنا من اختلاف السيارات في الطراز وفي منشأ الصدور وفي النوعية ، وفي كل شيء تقريباً .
إن العقل السليم يرفض مثل هذه الحجج اللفظية ، ويقول : من قال لكم : لا نستطيع أن ننتزع مفهوماً واحداً من حقائق متباينة ، أوليس الانتزاع مجرد تصور ذهني ، أوليس الخيال قادراً على خلق الصور غير الحقيقية مثل نهر من الزئبق ؟
وبالتالي : إن علمنا باختلاف الحقائق ، وبالذات تباين الخالق والمخلوق ، يشهد أن انتزاع مفهوم واحد من الحقائق المتباينة ممكن ، ولو افترضنا عدم إمكان ذلك ، إلا إذا كانت الحقيقية واحدة ، فلابد من القول باستحالة انتزاع مفهوم واحد في هذا المجال ، ذلك لأن المفهوم يأتي بعد العلم ، وليس المفهوم هو الذي يعطينا العلم ، لأن المفهوم المنتزع عن صنع النفس البشرية والعلم ، يكشف الحقائق الخارجية !
الدليل الثاني
قالوا : انطلاقاً من القاعدة الفلسفية المعروفة : أن معطي الشيء ليس فاقداً له ، لابد أن نقول بوحدة المخلوق والخالق .
ونتساءل كيف ؟ قالوا : إنه على أساس نظرية الوحدة ، فإن الخالق ينطوي على المخلوق ويكون إعطاء الخالق المخلوق موافقاً لهذه القاعدة ، لأنه كان فيه فخرج منه .
ولكن إذا لم نقل بالوحدة ، فإن ذلك يعني أن الخالق لم يكن في بطن المخلوق ، فكيف أعطاه الخالق وهو فاقد له ! ؟
ويُرد هذا الدليل بأن عطاء الرب ليس على نهج الولادة وخروج الشيء من الشيء كما في المخلوقات الطبيعية ، بل على نحو الإبداع لا من شيء .
وهذه القاعدة إنما تثبت في موارد المخلوقات وليس في مقام الخالق ، أليس من السفاهة قياس الخالق بالمخلوقين ، سبحان الله عما يقول المشركون .
والحديث حول الخلق الإلهي طويل ، يأتي في مقامه إن شاء الله .
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي) — صفحة 199
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٩٩