بعض الناس يحملون معهم أشياء تظهر فوق الحائط ، وتلقي ظلالها على الجدار الداخلي الذي يتوجه إليه المسجونون ، فيرى هؤلاء الظلال ويزعمون أنها حقائق ، بينما الحقيقة شيء آخر ، ولا يمكنهم وجدانها من دون التحرر من الأغلال والخروج من الكهف ! ؟ « 1 » .
وهكذا يرى أفلاطون العالم المحسوس الذي يدركه عامة الناس عالم المجاز ، بينما يرى العالم الحقيقي هو عالم المعقولات .
وربما لم يكن أفلاطون قد بلور في نظريته فكرة وحدة الوجود ، أو حتى أصالة الوجود بصورتها النهائية ، إلا أن مجدد نظرياته في مدرسة الإسكندرية ( أفلوطين ) كان له قصب السبق في توضيح هذه النظرية ، بالرغم من أن كمال النظرية - إن صح التعبير - كان على يد صدر المتألهين .
كان أفلوطين قائلًا بوحدة الوجود - يعني كان يزعم أن الحقيقة واحدة ، وأن الأحدية أصل ومنشأ كل شيء ، وأن الموجودات ترشُح فيضٍ من ذلك المبدأ الأول ، وأنه مصدر الكل ، ويرى أن نهاية الوجود وغايته أيضاً : الرجوع إلى ذلك المبدأ ، حيث أنه يدرك في ( قوس النزول ) « 2 » العوالم الروحانية والجسمانية ، وينال في ( قوس الصعود ) الحس والتعقل والإشراق والكشف والشهود « 3 » .
وأفلوطين كان قد تأثر وبعمق بنظرية الغنوص الشرقية ، إلا أنه بينها بلغة المنطق اليوناني .
وهو لا يرى حقيقة للأشياء ( أو الماهيات ) إنما الحقيقة للأول ويقصد به المبدأ .
إن الوجود الحقيقي إنما هو وجود ( الأول ) أو ( الواحد ) أو ( الله ) بأسمى ما له من كمال الربوبية ، فكل شيء صدر عن ( الأول ) وإلى ( الأول ) يعود « 4 » .
هامش
( 1 ) ( ) سير حكمت در أوروبا ، فارسي ، لمحمد علي فروغي ، ج 1 ، ص 29 .
( 2 ) ( ) لعلنا نتحدث بإذن الله عن مصطلح قوس الصعود وقوس النزول ضمن نظرية أفلوطين وأتباعه .
( 3 ) ( ) سير حكمت در أوروبا ، فارسي ج 1 ، ص 86 .
( 4 ) ( ) من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية ، ص 230 .