وربما يتصور ان هذا التلون والتغير في آراء الحسن البصري كان سبباً لانعزال تلميذه واصل بن عطاء عن مدرسة أستاذه ، لكن الحقائق التأريخية التي سادت تلك الفترة تكشف بوضوح عن سبب رئيسي آخر هو أن الأزارقة - وهم فرع من فروع الخوارج - كانت لهم السلطة آنذاك على البصرة ، وكانوا يزعمون بان مرتكب الكبيرة كافر وأنه خالد في النار ، بينما كان الحسن البصري يقول إنه ليس بكافر . فكان لابد لواصل ، وهو كأستاذه يعيش حالة الانهزامية ، ولكي يتهرب عن تحمل عناء الوقوف امام الحكام المتطرفين وأصحاب النفوذ ، ولكي ينسلَّ عن قضايا الثورة التي كان يقودها أهل بيت الرسول صلوات الله عليهم أجمعين دفاعا عن الرسالة الإلهية . كان لابد له أن يخرج برأي توفيقي بين آراء أستاذه وآراء السلطة الحاكمة ، فأسس مذهبا يقول إن مرتكب الكبيرة ليس بكافر وليس بمسلم وانما هو منزلة بين منزلتين فهو إذن فاسق ( « 1 » ) .
وقد اطلق اسم المعتزلة على المدرسة التي أسسها واصل بن عطاء بعد ان طرده أستاذه الحسن البصري من حلقة درسه لمخالفته لأقواله ، فاعتزل في زاوية من المسجد واتخذ لنفسه حلقة جديدة والتحق به عمرو بن عبيد ، وبذلك سمي بالمعتزل ، وسميت مدرسته بالمعتزلة ، وقد أنشعبت فيما بعد إلى اثنتين وعشرين فرقة .
لماذا علم الكلام ؟
حينما تعرضت ثقافة المسلمين إلى الارتجاج وسادتها الفوضى نتيجة الظروف السياسية والاجتماعية ؛ سيما بعد مقتل الخليفة الثالث ، ظهرت على الساحة
هامش
( 1 ) الخياط ، كتاب الانتصار ص 118 / الشهرستاني ، الملل والنحل ص 17 / عنهما : تاريخ الفلسفة الاسلامية ص 79 .