الفصل الأول : الإنسان إنه المسؤول
لا للجبر . . لا للتفويض
الإنسان ذلك الكائن ( المبتلى ) الذي حمل الأمانة وأُوتي المقدرة على أدائها ، وأُوتي المشيئة في الاختيار إما شاكراً وإما كفورا . وقد قال عنه خالقه تبارك وتعالى : ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَاتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ اخْلَدَ إِلَى الارْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ) ( الأعراف / 175 - 176 )
فما هي حدود مشيئة البشر التي خولها البارئ إليه ، وما هي آفاق حريته التي حبيت له ، وما هي حدودها ؟ فيما يلي بعض التفصيل في هذا الموضوع الشائك .
أولًا : لا جبر ولا تفويض
في علم الفلسفة ، كذلك في علم الكلام بحث بعيد الغور حول الجبر والتفويض ، فمن الناس من نفى عن الانسان كل ألوان المسؤولية ، وقال : كل شيء مقضي عليه ، وهو منذ أن خلق كان مسيّراً . ولعل الكفار الذين نسبوا أفعالهم القبيحة إلى الله سبحانه ، كانوا من هؤلاء حين قال عنهم ربنا : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشَآءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) ( يس / 47 )
وقال بعضهم ( حسب ما يحكي عنهم الرب تعالى ) : ( قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ ) ( المؤمِنون / 106 )
وذهبت الأشاعرة إلى الجبر ، وبالغ بعضهم في مذهبه حتى نسب إلى الله كل أفعال العباد ، ونفى عن ربه سبحانه صفة العدل .
ومنهم من ذهب إلى التفويض ، ونفى قدرة ربه على عباده ، وزعم أن الخلق قد فاض من ضمير الخالق من دون وعي منه ولا إختيار ، ولا يستطيع أن يغير فيه شيئاً . كما أشعة الشمس حين تفيض منها ، وحين لا تستطيع فيها صنعاً . سبحان الله !