سُورَةٌ فَإِذَآ انزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فأَوْلَى لَهُمْ ( محمد / 20 )
يبدو من آية قرآنية أن الذين في قلوبهم مرض طائفة أخرى غير المنافقين ، حيث يقول الله عز وجل : لَئِن لَمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلًا ( الأحزاب / 60 )
أما كلمة فأَوْلَى لَهُمْ فهي كلمة تستخدم في اللعن ، واختلفوا في معناها الدقيق ، هل هو بمعنى : يليه مكروه ، أو لهم الويل ، أو الموت أولى لهم ؟
ويبدو ان هذه الكلمة تأتي بعد بيان سيئة من سيئاتهم فعلًا أو قولًا فيكون معناها ؛ إنهم يستحقون تلك السيئة وهم أحق بها ، وأولى من غيرهم . وفي المقام يكون المعنى ؛ ان هذه العاقبة السيئة التي انتهوا إليها من رفضهم لسورة القتال ، يستحقونها لما كان في قلوبهم من مرض . ذلك لأن النفاق والخوف الذي يحول بين الانسان وقتال الأعداء ، جرم كبير وضلالة بعيدة ، لأنه يجر صاحبه إلى الاستسلام للطاغوت ، وفقدان استقلاله أمام الغزاة ،
والتنازل عن قيمه وشخصيته خشية بطش الجبارين . وكل من ارتد عن الدين أو اتبع الظالمين ، انساق إلى مصيره الأسود ، بسبب تلك الأمراض الخطيرة التي تمكنت من قلبه .
4 / يريد البعض ان يكون الجهاد سفرة قريبة أو غنيمة حاضرة ، ولو كان كذلك لكان أول المبارزين ، ولكن الجهاد عمل شاق . قال الله سبحانه : لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لَاتّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ( التوبة / 42 )
القاصد هو السبيل الذي يقصد لقربه وسهولته ، بينما الشقة هي المسافة البعيدة أو الوعرة التي من الصعب تجاوزها والسير فيها . يتعلل المنافقون على ذلك بأنهم لا يقدرون القيام بالاسفار البعيدة ، ولذلك فإنهم يحلفون بالله انهم كانوا يخرجون مع المسلمين لو استطاعوا .
وهكذا كل كسول يزعم أنه لا يقدر على القيام بأي شيء ، وبهذا يهلك هؤلاء أنفسهم بسبب كسلهم وتقاعسهم عن الجهاد . إذ ان الكسل عن العمل يفقد صاحبه قدراته
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 266
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٦٦