« وإذا مرّوا باللغوّ مرّوا كراما » .
ان الكرامة ميراث عبادة الله ، لأنها من ابعاد وعي نعم الله على الانسان ، ووعي تلك الفرص المتاحة للإنسان للتقدم في أبعاد الحياة ، وذلك بالتوكّل على الله ، واستدرار رحمته الواسعة ، بالسعي والدعاء .
وهكذا تتسامى نفوسهم عن اللغو إكراماً لأنفسهم عنه .
« والذين إذا ذكّروا بآيات ربهم لم يخرّوا عليها صماً وعمياناً » .
لأن عبودية الله تعطيهم نور الايمان بآيات الله جمعياً ، فقلوبهم لا تنكر شيئاً من الحق . وآذانهم تستقبل آيات الله التي تتلى عليهم كما وان عيونهم تبصر الآيات .
« والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرّياتنا قرّة أعين » .
ان الذرية زينة الحياة الدنيا وعباد الرحمن لا يتطلّعون إلى مجرد امتلاك زوجة وذرية بل يتسامون إلى طلب ذروة النعمة المطلوبة منهم ، وهي ان تقرّ أعينهم بهم ، وهذه لا تتحقق الا ببلوغ منتهى الراحة النفسية والمعنوية منهم .
« واجعلنا للمتقين إماماً » .
إذا اكتمل وعي العبودية في قلب الانسان . وعرف ان الكمال من عند الله ، وان عطاءه واسع ورحمته شاملة ، فان نفسه تسموا إلى ذرى الغايات . فلا تكتفي بمجرد بلوغ مرحلة التقوى ( وهي لا شكّ ذروة متعالية ) ولكنه يطمح ليكون إماماً للمتقين يسبقهم بالتقوى ويقودهم إلى كل خير . وفي هذه الكلمة تتجلى نظرة الاسلام الشمولية إلى قيمتي الدنيا والآخرة والجسم والروح .
وكلمة أخيرة :
حين نتدبّر في الآية الكريمة : « وما خلقت الجنّ والإنس الّا ليعبدون » التي توّجّهنا الحبث بها ، والتي تبيّن بوضوح مراد الله سبحانه من الخلق ، نجد مقابلة بين عبادة الله ( الّا ليعبدون ) وبين الهدف الآخر غير المطلوب ، وهو طلب الله الرزق من البشر أو الطعام . . ولدى التأمل أكثر نجد ان هذه مقابلة بين الأخذ والعطاء ، لأن الرزق أخذ وحاشا لله ان يبتغي من خلقه رزقاً أو طعاماً ( أجراً كاملًا أو جزئياً ) لأنه سبحانه هو الخالق وهو الرزاق . وهو ذو القوة المتين . إذا الغاية هي العطاء فإنما خلق الله الخلق