( ثم ذكّر أوُلي الألباب بأحسن الذكر ، وحلّاهم بأحسن الحلية ، فقال : ( يؤتي الحكمة مَنْ يشاء ومَنْ يُؤت الحكمة فقد أُوتي خيراً كثيراً وما يذكّر إلّا أوُلو الألباب ) « 1 » .
( يا هشام ! إنّ الله يقول : ( إنّ في ذلك لَذكرى لمَنْ كان له قلب ) « 2 » .
يعني العقل . وقال : ( ولقد آتينا لقمان الحكمة ) « 3 » الفهم والعقل ) .
سابعاً : ويمضي الإمام قدماً في بيان المنهجية المناسبة لتنمية العقل ، لكي يشعّ نوره على أرجاء الخليقة فيضيء حقائقها ، ومن ذلك التواضع للحقّ ، لأنّ التكبرّ عليه لا يدع الإنسان يبحث عنه ليجده ، ولأن هوى الإنسان يمنعه عن فَهْم الحقيقة التي تخالفه ، هكذا يقول الإمام :
( يا هشام ! إنّ لقمان قال لابنه : تواضع للحق تكن أعقل الناس يا بني ! إنّ الدنيا بحر عميق ، قد غرق فيه عالم كثير ، فلتكُنْ سفينتك فيها تقوى الله ، وحشوها الإيمان ، وشراعها التوكّل ، وقّيمها العقل ، ودليلها العلم ، وسكانها الصبر ) .
ثامناً : لأن العقل نور مركّز فلا بد من بَسْطه بالتفكر ، لأن التفكّر هو إثارة كوامن العقل ، واستخدام ضيائه في إنارة الظلام ، وهكذا كان التفكر دليل العاقل ، قال الإمامعليه السلام - .
( يا هشام ! لكل شيء دليل ، ودليل العاقل التفكر ، ودليل التفكر الصمت ، ولكل شيء مطية ، ومطية العاقل التواضع . وكفى بك جهلا أنْ تركب ما نُهيتَ عنه ) .
تاسعاً : التفكّر صعب على البشر مستصعب ، وإذا رأيت المتفكّرين في الناس هم الأقلية فلأن الجهل هو الطبيعة الأولى عند البشر ، ومقاومته ليست سهله .
ومن أسباب صعوبة التفكر : خشية الإنسان من الآخرين ، ونزوعه للتوافق معهم ، مما يزلزل ثقته بنفسه . من هنا حذر الإمام من هذه الحالة ، وقال : ( يا هشام لو كان في يدك جوزة وقال الناس : لؤلؤة ، ما كان ينفعك ، وأنت تعلم أنها جوزة . ولو كان في يدك لؤلؤة وقال الناس : إنها جوزة ، ما كان ضرّك وأنت تعلم
هامش
( 1 ) - البقرة / 269
( 2 ) - ق / 36
( 3 ) - لقمان / 12