كان سببا استحال انعدام المسبب كما سبق ذكره في مباحث العلة والمعلول فالنفس لو
انعدمت لكان انعدامها بسبب انعدام سببها أو شئ من اجزاء سببها التام والأسباب أربعة
ويستحيل انعدامها لانعدام سببها الفاعلي لان السبب الفاعلي لها كما سنبين جوهر
عقلي مفارق الذات من جميع الوجوه عن المادة فيمتنع عدمه لان الكلام فيه كالكلام
في النفس ومحال ان يكون انعدامها لانعدام السبب المادي لأنا قد بينا ان النفس ليست مادية
بل مجرده ومحال ان يكون لعدم السبب الصوري لان صوره النفس بعينها ذاتها
، ولأن الكلام في عدم ذلك السبب الصوري كالكلام في عدم النفس فإن كان لعدم صوره
أخرى لزم التسلسل ومحال ان يكون لعدم السبب التمامي لهذا الوجه أيضا فيمتنع
عدم النفس مطلقا واما الصور والاعراض التي يصح عليها ذلك العدم فذلك لصحة ( 1 )
هامش
( 1 ) حتى الفاعلية وهاهنا اشكال ظاهر الورود وقد نقله السيد المحقق الداماد
عن المحقق الطوسي قدس سرهما في القبسات وقد وصفه السيد قدس سره بأنه من
مستصعبات العقد التعضيلية وهو انه إذا عدم شئ في العالم لزم منه عدم الواجب تعالى عن
ذلك لأن عدم ذلك الشئ اما لعدم شرطه أو شرط علته أو لعدم جزء علته والكلام في عدمه
كالكلام فيه حتى ينتهى إلى الواجب تعالى لان الموجودات بأسرها ينتهى في سلسله الحاجة
إلى الواجب تعالى والجواب ان عدم الحادث ينتهى إلى عدم مرتبه وقطعه من حقيقة
متجددة بالذات كالطبيعة الجوهرية السيالة الوجود عند المصنف وكالحركة الوضعية
الفلكية عند القوم وتلك الحقيقة كل حد منها ضروري العدم عند وجود حد آخر بلا حاجه
إلى علة أخرى كضرورة عدم يوم الجمعة في يوم الخميس ويوم السبت فإذا انتهى
عدم الحادث إلى عدم تلك المرتبة من تلك الحقيقة السيالة الوجود يقال عدمها ذاتي -
والذاتي لا يعلل فلا ينتهى إلى عدم الواجب تعالى فالجاعل جعل نفس ذاتها جعلا بسيطا
لا انه جعلها متقضية متجددة والسيد قدس سره أشار أولا إلى ما ذكرناه وثانيا إلى
تحقيق آخر بقوله فاذن يجب علينا ان نقطع وريد الشبهة ونجب عرق الإعضال فنقول
ما حققناه لك ان الحدوث والزوال في عالم امتداد الزمان لا يتصحح الا بالانتهاء إلى
طبيعة متجددة متصرمة يكون طباع جوهرها ثبات اتصال التجدد والتصرم وسيلان استمرار
الحدوث والبطلان من غير استناد في الانقضاء والتصرم إلى علة خارجه عن ذاتها يضمن
للمتأمل المخرج عن هذه المضائق ولكنا نستأنف الان بيانا طارفا من سبيل آخر فاعلمن
انه انما يعتاص الامر هنالك على من بتوهماته الفاسدة يحسب أن العدم الطاري على الشئ الكائن
الفاسد في الزمان حادث متجدد في متن الواقع وطرو العدم عبارة عن تجدد البطلان
بعد التقرر وان انعدام الشئ الزماني انما هو بارتفاع وجوده الحاصل في زمن حصوله
من تلقاء الجاعل الموجب عن وعاء التحقق عن زمان الحصول وان العدم فعل الفاعل ،
والفاعل فاعل البطلان وان عدم حصول الشئ في زمان ما غير متحقق الصدق الا في
ذلك الزمان ومع تحققه لا قبله وان انتفاء المانع متقدم على وجود المعلول بالذات
تقدما بالطبع لكونه من اجزاء علته التامة وشئ من تلك الأوهام ليس له في عالم
العقل من نصيب ولا في إقليم الحكمة من خلاق وان في المتكلفين والمتفلسفين أقواما
وعشائر تلك أمانيهم ومن هو على بصيرة في امره يعلم أن ما يحدث ويتجدد ويعقل فيه الفعل
والقبول يكون لا محاله شيئا ما يعبر عنه بالليسية والانتفاء بل هو سلب محض وليس صرف
لا يخبر الا عن لفظه ولا يروم بمفهومه الا انه ليس في الحصول امر ما أصلا وانما طرو العدم
على الكائن الزماني هو سلب وجوده في الزمان العاقب سلبا صرفا ثم قال أفليس من
المنصرح ان ارتفاعه عن زمانه في قوه اجتماع النقيضين وعن الزمان البعد غير معقول إذ لم
يكن متحققا قط فاذن قد استوى واستبان ان الزوال حقيقة انقطاع اتصال الفيضان لعدم
الإفاضة الابقائية المعبر عنها في القرآن الحكيم والتنزيل الكريم تارة بالحفظ ( ولا يؤده
حفظهما ) ، وتارة بالامساك ( ويمسك السماوات والأرض ان تزولا ) وانه لا عدم الا وهو أزلي
وان طرو العدم على الحادث الزماني انما معناه المحصل تخصيص وجوده بزمان ما محدود
في جهة النهاية بحد بعينه كما هو محدود في جهة البداية كذلك وذلك الوجود المحدود
بحدي الطرفين غير مرتفع لا عن الدهر ولا عن ذلك الزمان المحدود في الجهتين ثم قال :
فاذن قد بزغ ان العدم اللاحق بالكائن الفاسد أزلي ليس يصح استناده إلى عدم تحقق
العلة التامة لحصول الوجود في الزمان العاقب من بدو الامر في الآزال والآباد رأسا كما أن
العدم السابق قبل حصول الوجود الحادث في الزمان الأول أيضا كذلك لا انه متجدد
مستند إلى انتفاء جزء ما من اجزاء العلة التامة للوجود الحاصل في زمان الكون فان
العلة التامة لذلك الوجود ولأي وجود قد دخل في التحقق غير منتفية ابدا وانما الصحيح
ان العلة التامة لتقرر ما مفروض ووجود ما مقدر غير داخله في التحقق من بدو الامر أزلا
وأبدا والعدميات الأزلية سابقه كانت أو لاحقه من حاشيتي الوجود الكائن في زمان بعلية
متسلسلة في العلية والمعلولية على الجهة اللا يقفية بما هي متمثلة في لحاظ العقل متمائزة
بحسب الإضافة إلى الملكات لا إلى نهاية أخيرة يقف الامر عندها فليستيقن انتهت كلماته
النورية وانما نقلناها بطولها مع كونه خروجا عن طور هذه الحاشية لاشتمالها على
تحقيقات شريفة نافعه في هذا المقام وفي مقامات آخر فليدرك بعد غوره وليذعن حسن
طوره س ره .