الصلاة كانت تعني عندهم الدعاء أو الخضوع ، وكانت صلاتهم بضعة كلمات وبضعة حركات محدودتين ، فإذا بها تعني منظومةً متكاملةً من المعاني والهيئات كما نعرفها اليوم .
وهكذا الحال مع كل تحوّل حضاري كبير ، مثلًا عند انفجار ثورة المعلومات في العالم ، ومن قبلها الثورة الصناعية أصبحت الكلمات تحمل معاني جداً مختلفة عن المعاني السابقة في السعة والعمق . فإذا كانت كلمة السفينة تعني قديماً بضعة أخشاب طافحة على الماء وتتحرك بالأشرعة الهوائية ، فإنّها تعني اليوم حاملات الطائرات العملاقة ، وهكذا غيرها .
وبهذا نعرف أن نقلة الألفاظ من معانيها السابقة إلى الجديدة كانت نقلة نوعية في فهم الحقائق عند الناس . فمعرفتهم بالله سبحانه قبل نزول القرآن لا يمكن قياسها بمعرفتهم به سبحانه بعده ، أليس كذلك ؟
وهكذا بالنسبة إلى سائر العقائد والأحكام مثل الطهارة والصلاة والزكاة والحج .
ويبدو أن النقلة تمت عبر مراحل :
ألف : في البدء كانت كلمة الصلاة مثلًا تعني - عند استعمالها - ذات المعاني السابقة ، ولأنّ الأحكام وردت بصورة تدريجية فإنها كانت مهيّأة لتتغيَّر عند الناس ، لمعرفتهم أن الدين الجديد لابدّ أن يحمل معه معاني جديدة ، ولذلك كان يكثر سؤالهم عن شؤونها .
فمثلًا : حينما وردت الآية الكريمة : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ ) « 1 » . عرف الناس أن العبادة والوقوف امام الرب لابدّ أن يسبقها التطهر . .
باء : كان النبي صلى الله عليه وآله يأمرهم بأن يضيفوا إلى العبادة المعروفة بعض الهيئات والأجزاء والشرائط ، مثلا حينما نزلت الآية : ( فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ) « 2 » .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
« إجعلوها في ركوعكم . »
هامش
( 1 ) - المائدة ، 6 .
( 2 ) - الواقعة ، 74 .