وطبيعي أنَّ كل مبدأ جديد ونظام جديد يُدخِل في وعي الناس أسماء جديدة حسب ثقافته وقوانينه ، وهكذا يتبادر إلى فهم الناس من ذكر الأسماء ما استجد من المعاني وليس المعاني القديمة . وهكذا إذا نادى المؤذِّن بالصلاة فإنَّ هذا الاسم سوف يعكس في الذهن هذه العبادة بما لها من أحكام جديدة وليس الصلاة السابقة التي يقول عنها ربنا سبحانه : ( وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ) « 1 » .
وكذلك الصيام والحج .
وكذلك كلمات مثل البيع والإجارة والتجارة والدَيْن ، إنها أسماء لذات المعاني السابقة ، إنما تختلف أحكامها بعد إضافة شروط جديدة فيها .
يبقى أن نعرف أنه عند ذكر كلمات على لسان الشرع ومن ثم الشك في أنّها تعني مصطَلَحاً جديداً أم أنّ معانيها هي ذات المعاني السابقة ، فإنّ الأصل هو أنّ الكلمة تعني معناها عند الناس باعتبار أنّ الشارع يتحدث بلغتهم .
وهكذا نعرف أن كلمات مثل السفر والشهود ، والمرض والصحة ، والأمن والحرب ، والعسر والحرج ، والتكلّف ، والفساد ، والبلوغ ، والطمث ، والغنى والفقر ، والقسط ، والعدل ، والظلم ، والبغي ، والمئات من الكلمات التي أصبحت محوراً لأحكام شرعية ، إنها جميعاً لا تعني سوى المعاني اللغوية التي يفهمها العرف إلّا إذا علمنا يقيناً إنّ مصطلحاً جديداً إخترعه الشرع عبر إضافة قيد أو شرط أو ماأشبه .
ولولا ذلك لانهدمت أسس الشريعة ، ولم تتم الحجة على الناس بسبب الشك في كلمات الرسل ، ولِما سبق أنَّ الرسل يتحدثون بلسان قومهم .
حوار في الحقيقة الشرعية
مع هبوط ملك الوحي عليه السلام على النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، يحمل معه بصائر جديدة ، أصبحت اللغة العربية - التي أرادها الرب سبحانه وعاءً لتلك البصائر - أكثر غنى وأوسع معاني ، حيث كانت الألفاظ تشير إلى حقائق خارجية محدودة جداً فإذا بها إستوعبت حقائق واسعة على مدى تلك البصائر الإلهية البالغة سعة وعمقاً .
هامش
( 1 ) - الأنفال ، 35 .