الجمل الإنشائية الخالصة
وقبل أن نسوق الكلام فيما ذهبوا إليه ينبغي أن نعيد للقارئ الكريم رأينا الذي يتمثل في : أنّ كل ألوان الإنشاء هي - في الحقيقة - اعتبارات ورغبات في النفس ، وكلماتها تعكسها للناس ، فأنتَ حين تطلب شيئاً بصيغة الأمر وتقول : " إذهب " فإنك قبل أنْ تُعبّر عن هذا الطلب كانت في نفسك رغبة أكيدة وطلب جدي لذهابه ، ثم عَكَسَتْ كلمتُك التي ألقيتَها إلى المستمع " إذهب " تلك الرغبة ، ولذلك لافرق جدي بين قولك « أطلب منك الذهاب » وبين قولك " إذهب " وحتى بين أن تقول : « إنّي أحب ذهابك » أو : " آمرك بالذهاب " .
وهكذا لو تدبّرتَ في كتاب ربك ، وهو ذروة في الفصاحة والبلاغة ، لوجدتَ التعبيرات المختلفة عن الطلب مثل قوله سبحانه : ( فَاطَّهَّرُواْ ) .
وقوله : ( وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ) .
وقوله : ( وَأَقْسِطُوا ) .
وقوله : ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) .
كذلك قوله سبحانه : ( إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ) .
وقوله سبحانه : ( اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) .
ومثل هذا كثير ؛ بلى ، عند الدقّة نجد أنّ الطلب في قولنا : " أطلب منك الذهاب " وقع منسوباً في الجملة حيث نسبنا الطلب إلى الذهاب ، بينما وقع في قولنا " إذهب " مجرد نسبة ، وهكذا كان - حسب الاصطلاح - في الأول معنى إسميّاً مستقلًا ، بينما صار في الثاني معنى حرفيّاً غير مستقل .
هذا وقد ذهب أنصار هذا القول إلى وجود فوارق بين جملتي : " أستفهم عن وصول زيد " و " هل وصل زيد ؟ " وكذلك جملتي : " أطلب منك الذهاب " و " إذهب " وهكذا . . وتلك الفوارق تتمثل في رأيهم فيما يلي :
أولًا : إنّ : الطلب ، والاستفهام ، وما أشبه مثل التمنّي في قولك : أتمنّى عودة الشباب ، كل ذلك يُفهم عند التصريح بها من تلك الكلمات " المصرِّحة " .
بينما يُفهم كل ذلك من صيغها مثل صيغة : " إذهب " ، " هل ذهب زيد " " يا ليت زيد يذهب " .