الإنسان بكلمات هي بالضبط كلمات الإنشاء ، مثلًا :
1 - التعابير عن العقود تعكس حالة الالتزام والتعهّد والاعتبار عند النفس ، فإنّ العقود في الحقيقة هي تعهّدات وإلتزامات وهي لذلك تابعة للقصود .
2 - كذلك كلمات الأمر والنهي والاستفهام تعبِّر عن رغبةٍ في النفس بطلب شيء ، أو رفض شيء ، أو السعي نحو معرفته .
3 - أمّا ألفاظ التمنّي والترجّي والضجر والحزن وما أشبه ، فهي تعابير عن تلك الحالات في النفس .
وعلى أيّ حال فالكلمات لا تعدو أن تكون حكاية عمّا في النفس .
بعد هذه التقدمة نعرف إنّ الحق مع أصحاب هذه النظرية في أنّ نيّة الاستعمال هي التي تفرِّق بين الإنشاء والإخبار ، وهكذا فمن قال : « بعتُ » وقصد عقد البيع الآن ، كان كمن يقول : « بعتُ » ويقصد أنّه قد عقد صفقة البيع سابقاً .
باء : وحدة الجملتين حسب منهج الإصفهاني
أمّا المحقق الإصفهاني فقد ذهب هو الآخر إلى وحدة الإنشاء والإخبار حقيقة ، فهما يشتركان في بيان النسبة بين طرفي الجملة ، إلّا أنَّ هذه النسبة قد تكون حكايةً عن واقعٍ خارجيّ فتكون إخباراً وقد لا تكون فتكون إنشاءً .
ومن أجل توضيح نظره نقول : يظهر ممّا نُقِل عنه أنَّ حقيقة الإنشاء هي الاعتبار حيث أنّ من يقصد صفقةً فيقول : " بعتُ " أو يقول : " أجرتُ " أو حتى حين يقول : " أنكحتُ " فإنّه يعتبر تبادل الملكية في البيع ، ونقل المنفعة في الإجارة ، والالتزام بحدود الزوجية في النكاح ، وهذا الاعتبار ( الالتزام - التعهّد ) هو حقيقة الإنشاء .
ومن هنا فإنّ الإخبار أوسع دلالة من الإنشاء ، ذلك لأنَّ الذي يُعبِّر عن الإنشاء إنّما يُعبِّر عن نسبة إعتبرها هو ، بينما الذي يُخبر فإنّما يُخبر عن نسبةٍ موجودةٍ يدّعي وجودها خارجاً .
ولكن هذه النظرية تختص في رأي المحقق الإصفهاني بالجمل المشتركة بين الإنشاء والإخبار مثل : بعتُ ، أنكحتُ . أما في الجمل المتمحّضة في الإنشاء مثل صيغ الاستفهام والتمنّي والطلب والنهي ، فإنّ فيها كلاماً آخر يظهر إن شاء الله تعالى فيما يلي :